منتديات متيجة
يشرفنا نحن ادارة منتدى متيجة ان نرحب بك زائرنا العزيز في المنتدى ونرجوا منك ان تشرفنا بتسجيلك معنا لتفيدة وتستفيد


منتدى متيجة هو منتدى ترفيهي علمي بامتياز هنا تجد كل ما تريده من تطبيقات و سريالات و العاب و فتاوة في الشريعة الاسلامية و تفسير القران و كل ما نستطيع توفيره من كتب علمية .ادبية .انسانية. وعلوم شرعية .بحوث الخ. ويوجد منتدى للفيديو يوتوب ونكت ..الخ وحتى الان
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 تفسير سورة النجم .للشيخ ابن العثيمين .ج3

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
نائب المدير
الادارة العامة
الادارة العامة
avatar

عدد المساهمات : 2120
نقاط : 7058
السٌّمعَة : 15
تاريخ التسجيل : 06/04/2010

مُساهمةموضوع: تفسير سورة النجم .للشيخ ابن العثيمين .ج3   الأربعاء مايو 12, 2010 9:39 pm

بسم الله الرحمن الرحيم
{وأن إلى ربك المنتهى } هذه الآية فيها قراءتان: القراءة الأولى فتح الهمزة: {وأن إلى ربك المنتهى } والثانية كسر الهمزة {وإنَّ إلى ربك المنتهى } وكلاهما قراءتان صحيحتان سبعيتان، إذا قرأ الإنسان بإحداهما صح، بل الأولى للإنسان الذي يعرف القراءات أن يقرأ بهذه القراءة مرة، وبهذه القراءة مرة أخرى، لكن لا يقرأ على ملأ من الناس وسماع منهم، لأن العامة إذا سمعوك تقرأ على خلاف ما يقرأون فسيحصل بذلك مفسدة، إما أن يقولوا: إن هذا الرجل لا يعرف القرآن، وإما أن يتشككوا في القرآن، حيث يظن العامي أن القرآن يمكن أن يبدل أو يغير، لذلك ننصح إخواننا الذين أعطاهم الله تعالى علماً في القراءات أن لا يقرأوا إلا بالقراءة المعروفة عند العامة حتى لا يحصل اللبس، لكن فيما بينك وبين نفسك إذا كنت تدرك القراءة الثانية إدراكاً تامًّا فاقرأ بها أحياناً؛ لأن الكل كلام الله - عز وجل - فإذا كانت بالكسر: {وإنَّ إلى ربك المنتهى } صارت هذه الجملة وما بعدها ليست في {صحف إبراهيم وموسى } بل تكون استئنافية، وإذا كانت بالفتح صارت الجملة وما بعدها مما جاء في صحف إبراهيم وموسى، وعلى كلٌّ فهي كلام الله عز وجل. {وأن إلى ربك المنتهى } أي: المنتهى في أمور الدين والدنيا، فإلى الله المنتهى في مسائل العلم، فعندما تشكل علينا مسألة من مسائل العلم فننتهي إلى الله ورسوله، كما قال تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} والنبي صلى الله عليه وسلم لا يقول شيئاً من عنده، إنما هو من عند الله - عز وجل - فيكون المنتهى إلى الله في الحكم بين الناس وفي الحكم للناس: {إلى ربك المنتهى } أي منتهى الخلائق أيضاً؛ لأن هذا الخلق الموجود الآن سوف يفنى وينتقل إلى خلق آخر، كما قال الله - عز وجل -: {أفعيينا بالخلق الأَول بل هم في لبس من خلق جديد } والمنتهى على هذا التقدير هو يوم القيامة، فإلى الله المنتهى، وإلى الله المصير، فمنتهى أحوالنا وأحكامنا وجميع ما يصدر منا وعلينا إلى الله - عز وجل - وإذا كان إلى الله المنتهى، فإلى من تشكو إذا أصابك الضر؟ إلى الله - عز وجل - وإذا أردت النفع فتطلبه من الله عز وجل، لأنه المنتهى، وكم من إنسان انعقدت له أسباب الرزق وإذا هو يحرم منها في آخر لحظة، إذاً لا يجلب لك الخير إلا الله، ولا يمنع عنك الضرر إلا الله - عز وجل - فاجعله منتهاك في كل أمورك، {وأنه هو أضحك وأبكى } هل المراد حقيقة الضحك، أو المراد لازم ذلك وهو الفرح، وكذلك يقال في أبكى: هل المراد حقيقة البكاء، أو المراد الحزن، إذا نظرنا إلى ظاهر اللفظ قلنا: الضحك الحقيقي، والضحك الحقيقي لا ينشأ إلا عن سرور، وأبكى البكاء الحقيقي، وهو لا يحصل إلا عن حزن، فالله تعالى أضحك في الدنيا وأبكى، وأضحك في الآخرة، وأبكى، والكفار في الدنيا يضحكون على المسلمين، وعلى المؤمنين {إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون } لكن هذا الضحك سيعقبه بكاء يوم القيامة {فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون } فالذي أضحك في الدنيا وأبكى، والذي أضحك في الآخرة وأبكى هو الله عز وجل، إذاً هو مقدر ما يكون به الضحك، ومقدر ما يكون به البكاء، وأتى بالأمرين وهما متقابلان، ليعلم بذلك أن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير، وهو القادر على خلق الضدين، {وأنه هو أمات وأحيا} أي: أمات في الدنيا وأحيا في الدنيا، وأمات في الدنيا وأحيا في الآخرة، أمات وأحيا البشر، تجد هذا تنفخ فيه الروح اليوم، فيكون الله قد أحياه، والآخر تنزع روحه من بدنه ويكون الله قد أماته، وهكذا دواليك، هو الذي أمات وأحيا، وهناك أيضاً ميتة عامة وحياة عامة، أمات العالم في الدنيا، وأحياهم في الآخرة، فهو الذي خلق الموت، وهو الذي خلق الحياة، وهذان أيضاً متضادان، حياة وموت، كلها من عند الله - عز وجل -، لأن الله تعالى على كل شيء قدير، {وأنه خلق الزوجين الذكر والأُنثى من نطفة إذا تمنى}، الزوج بمعنى الصنف، ومثاله قوله تعالى: {وآخر من شكله أزواج } أي: أصناف، وقوله تعالى: {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم} ليس المراد زوجاتهم، بل المراد بأزواجهم، أي: أصنافهم، إذاً الزوجين يعني الصنفين، ثم بين هذين الزوجين فقال: {الذكر والأُنثى } من مادة واحدة، {نطفة} وهي المني {إذا تمنى} أي: تراق وتصب في رحم المرأة، فالله - عز وجل - خلق هذين الصنفين المختلفين خلقاً، والمختلفين مزاجاً، والمختلفين عقلاً، والمختلفين فكراً، خلقهما من شيء واحد من نطفة، ولهذا قال الله تبارك وتعالى في آخر سورة القيامة: {فجعل منه الزوجين الذكر والأُنثى أليس ذلك بقدر على أن يحيى الموتى } الجواب: بلى، فالله تعالى خلق الزوجين من شيء واحد، وهذا يدل على كمال قدرته - جل وعلا - إذ إنه خلق صنفين مختلفين في كل الأحوال: في القوة البدنية والعقلية، والفكرية، والتنظيمية يختلف الذكر عن الأنثى، وبذلك نعرف ضلال أولئك القوم الذين يريدون أن يلحقوا المرأة بالرجل في أعمال تختص بالرجل، فإنهم سفهاء العقول، ضلال الأديان، فكيف يمكن أن نسوي بين صنفين، فرَّق الله بينهما خلقة وشرعاً، فهناك أحكام يطالب بها الرجل ولا تطالب بها المرأة، وأحكام تطالب بها المرأة ولا يطالب بها الرجل، وأما قدراً وخلقة فالأمر واضح، لكن هؤلاء الذين لم يوفقوا وسلب الله عقولهم وأضعف أديانهم يحاولون الآن أن يلحقوا النساء بالرجال، وهذه لا شك أنها فكرة خاطئة مخالفة للفطرة، ومخالفة للطبيعة كما أنها مخالفة للشريعة {وأن عليه النشأة الأُخرى } أي: على الله، وفي هذا دليل على أن الله أوجب على نفسه أن يبعث الناس، لأنه لو كان الناس يحيون ويموتون بلا إرجاع لكان هذا عبثاً محضاً؛ لأننا نعلم الآن أن الناس في الدنيا يختلفون في الغنى والفقر، والقوة والضعف، والذكاء والعقل وغير ذلك، ولو كان الخلق هكذا فقط بدون إرجاع لكان هذا منافٍ للحكمة تماماً، لكن لابد من رجوع، ولهذا قال: {وأن عليه تصدى} وعلى تفيد الوجوب، فيكون الله أوجب على نفسه أن ينشأ الناس مرة أخرى، ولا مانع من أن الله يفرض على نفسه ما شاء، كما قال تعالى: {كتب ربكم على نفسه الرحمة} أي: أوجب على نفسه الرحمة، كذلك هنا قال: {وأن عليه النشأة الأُخرى } أي أن الله أوجب على نفسه أن ينشىء الناس نشأة أخرى للجزاء، كل بحسب عمله، والنشأة الأخرى تفيد بأن هناك نشأة قبل وهي النشأة الأولى، وهي خلق الناس فابتداء خلق الناس من عند الله - عز وجل - وفي قوله: {الأُخرى } فائدة عظيمة وهي الإشارة إلى أن القادر على الأولى قادر على الآخرة، والنشأة الآخرة أهون من الأولى، كما قال الله عز وجل: {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه} والهين يختلف باعتبار ذاته لا باعتبار قدرة الله فإنها لا تختلف: كن. فيكون، سواء كان أعلى شيء أو أدنى شيء، لكن بالنسبة للمقدور عليه الإعادة أهون، أما بالنسبة لقدرة الله فكلها واحد، لأن المسألة لا تعدو أن يقول: كن. فيكون، وبهذا نعرف أن بعض المفسرين - رحمهم الله وعفا عنهم - قالوا في قوله: {وهو أهون عليه} (أي: وهو هين عليه) وهذا غلط، كيف يقول الله عن نفسه {وهو أهون عليه} ويقول: وهو هين، لكن نقول الهون له نسبتان: نسبة للمفعول، ونسبة للفاعل،
بالنسبة للفاعل هما سواء، لأن كل شيء منهما يتكون بكلمة واحدة كن فيكون، وبالنسبة للمفعول يختلف لا شك أن الأول أشد من الثاني.
{وأنه هو أغنى} أي: أن الله تعالى هو الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، فهو الذي أغنى من شاء من خلقه {وأقنى } قيل: المعنى أفقر؛ لأنها في مقابلة (أغنى) وقيل: أغنى بالكفاية، وأقنى بما زاد على الكفاية، فالله عز وجل بسط لعباده الرزق، فمنهم من أغناه عن غيره، ومنهم من أقناه، أي: جعل له قنية وهي الزائد عن الكفاية، والقاعدة: أن الكلمة إذا كانت تحتمل معنيين لا منافاة بينهما ولا مرجح لأحدهما على الآخر فإنها تحمل عليهما؛ لأنه أعم للمعنى، فالذي يغني هو الله عز وجل، والذي يقني هو الله عز وجل، وليست هذه الأصنام التي هي مناة والعزى، بل ذلك إلى الله عز وجل.
{وأنه هو رب الشعرى } أتى بضمير الفصل تأكيداً للجملة، و{رب الشعرى } أي: هو خالقها ومالكها ومدبرها، والشعرى هي النجم المضيء الذي يخرج في شدة الحر، ونص على هذا النجم؛ لأن بعض العرب كانوا يعبدونها ويعظمونها، فبين تبارك وتعالى أن الشعرى من جملة المخلوقات المربوبات وليست إلهاً، ولا تستحق أن تعبد، {وأنه} أي: الله - عز وجل - {أهلك عاداً الأُولى } وهم قوم هود، و(الأولى) وصف كاشف، وليس وصفاً مقيداً، يعني ليس هناك عاد أولى وعاد ثانية، بل هي واحدة، لكنها عاد قديمة سابقة، ولهذا وصفها بأنها الأولى أي: أنها القديمة السابقة وليس ثمة عاد أخرى، وهم قوم هود، وكان الله تعالى قد أعطاهم من القوة والنشاط وشدة البطش ما ليس لغيرهم، حتى إنهم قالوا من أشد منا قوة، قال الله تعالى: {أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوةً وكانوا بآياتنا يجحدون } فهؤلاء القوم يفتخرون بشدتهم وقوتهم فأهلكهم الله بألطف الأشياء، أهلكهم {بريح صرصر عاتية سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوماً فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية} ابتدأت من بعد الفجر وانتهت عند الغروب فصارت الأيام ثمانية، والليالي سبعاً، {فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية } تحمل الإنسان إلى القمة ثم تقذف به على الأرض فصاروا {كأنهم أعجاز نخل خاوية } والعياذ بالله، فهؤلاء القوم مع شدة بطشهم وشدة بأسهم لم يمنعهم ذلك من عذاب الله - عز وجل - وقوله: {وثمود فما أبقى } أي: وأهلك ثموداً وما أبقاهم، وثمود هم أصحاب الحجر، أرسل الله إليهم صالحاً فكذبوه، وكان الله تعالى قد أعطاهم قوة، وأعطاهم معرفة وعلماً بهندسة البناء، لكن مع ذلك ما دفعوا ما أراد الله بهم، صيح بهم ورجفت بهم الأرض {فأصبحوا في دارهم جاثمين } والعياذ بالله {وقوم نوح من قبل} يعني وأهلك قوم نوح من قبل بالغرق، كما قال الله تعالى عن نبيهم نوح {فدعا ربه أني مغلوب فانتصر ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر} وفي قراءة {ففتَّحنا} مما يدل على الكثرة وشدة الانفتاح {أبواب السماء بماء منهمر } يعني نازل بشدة: {وفجرنا الأَرض عيوناً} الأرض كلها كانت عيوناً يعني ليس فيها موضع شبر إلا وهو يفور، حتى إن التنور الذي هو محل الإيقاد صار يفور مع أن محل الإيقاد أبعد ما يكون عن الرطوبة لكنه فار، فصارت الأرض كلها عيوناً والسماء تمطر، والتقى الماء، ماء السماء وماء الأرض على أمر قد قدر، يعني أمر مقدر محدد بدون زيادة ولا نقص، فغرق القوم حتى بلغ الماء قمم الجبال، ويذكر أن امرأة كان معها صبي فكلما علا الماء صعدت الجبل، كلما علا الماء صعدت الجبل، حتى وصل الماء إلى قمة الجبل ووصل إلى المرأة وارتفع إلى جسدها، وكان معها صبي، فحملت الصبي على يديها ترفعه، لئلا يغرق قبلها، وجاء في الحديث: «لو رحم الله أحداً لرحم أم الصبي» () لكن إذا حقت كلمة الله فلا راد لقضاء الله تعالى، أجارني الله وإياكم من العذاب الأليم، وقوله: {إنهم كانوا هم أظلم وأطغى } اختلف المفسرون في مرجع الضمير فقيل: إن الضمير يعود على قوم نوح فقط.
وقيل: إنه يعود على كل الأمم التي ذكرها الله - عز وجل - ممن أهلكهم.
فعلى القول الأول يكون المعنى أن قوم نوح أظلم وأطغى من قوم ثمود وعاد، ووجه ذلك أنهم حصل منهم عتو واستكبار مع طول المدة، حيث إن نوحاً - عليه الصلاة والسلام - لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، يقول الله تبارك وتعالى عنه: {قال رب إني دعوت قومي ليلاً ونهاراً فلم يزدهم دعائي إلا فراراً وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذنهم} حتى لا يسمعوا {واستغشوا ثيابهم} تغطوا بها حتى لا يبصروا، وهذا يدل على شدة كراهتهم لما يدعوهم إليه عليه الصلاة والسلام، {واستكبروا استكباراً } أي: استكباراً عظيماً فلم يخضعوا لعبادة الله - عز وجل -، فكانوا أظلم وأطغى من عاد ومن ثمود.
وعلى القول الثاني: إن الضمير يعود على كل هؤلاء الأمم، يكون المعنى: أن هؤلاء كانوا أظلم وأطغى من قريش الذين كذبوك يا محمد، فيكون في هذا تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم بأن الله أهلك هؤلاء القوم مع أنهم أظلم وأطغى من قومك، والذي أهلك من سبق قادر على أن يهلك من لحق، وكلا المعنيين صحيح، فهؤلاء الأمم أظلم وأطغى من قريش، وقوم نوح أظلم وأطغى من عاد وثمود، ثم قال - عز وجل -: {والمؤتفكة أهوى } أي: أسقط، والمؤتفكة هي قرى قوم لوط، وأهوى بمعنى أنزل، واختلف المفسرون في قوله {أهوى } هل المعنى أنه أهوى بها من فوق إلى أسفل بناءً على أن الله تعالى رفع هذه القرى إلى فوق ثم قلبها. أو أن المعنى أنه أهوى أسقطها، أي: أرسل عليها الحجارة حتى تهدم البناء فصار أعلى البناء أسفله، المهم أن الله تعالى أخبر عن قوم لوط بأنه أهواهم أي أسقطهم، سواء من الجو، أو من سقوط أعلى البناء على أسفله () {فغشاها} أي: غطاها، {ما غشى } مبهم للتعظيم والتفخيم، كقوله تعالى: {فغشيهم من اليم ما غشيهم } أي غشيهم شيء عظيم، فالإبهام أحياناً يراد به التعظيم والتهويل والتفخيم، كما في هذه الآية.
{فبأي آلاء ربك تتمارى } الاستفهام هنا للتوبيخ و{آلاء }: النعم، و{تتمارى } أي: تتشكك، أي: بأي نعم الله تتشكك أيها الإنسان، إذ إن الواجب أن الإنسان يقر بنعم الله ويشكر الله عليها، لا أن يتشكك، ويقول: هذا من عملي. هذا من كذا. هذا من كذا، كما كانت العرب تقول: مطرنا بنوء كذا وكذا، يعني بالنجم وينسون الخالق - عز وجل - ثم قال - جل وعلا -: {هذا نذير من النذر الأُولى } المشار إليه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم {نذير} بمعنى منذر، والمنذر هو الذي يعلم بالشيء على وجه التخويف، لأن الإنذار هو إعلام بتخويف، والبشارة إعلام برجاء: {هذا نذير من النذر الأُولى } ولم يقل بشير؛ لأن المقام لا يقتضي إلا ذكر الإنذار، إذ إن الله تحدث من أول السورة إلى آخرها عن قريش، وتكذيبها للرسول صلى الله عليه وسلم وعبادتها للأصنام، فيقول محمد صلى الله عليه وسلم {نذير من النذر الأُولى } أي: من الرسل السابقين، وكما أن الذين كذبوا الرسل حل بهم العقاب والنكال فأنتم أيها المكذبون لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوشك أن يحل بكم النكال والعقوبة، لأن محمداً صلى الله عليه وسلم مثل غيره نذير من النذر، فإذا كان نذير من النذر فإن من كذبه سوف يقع به مثل ما وقع بالأمم السابقة {أزفت الآزفة } أي: قربت القيامة، ومنه قول الشاعر:
أزف الترحل غير أن ركابنا لما تزل برحالنا وكأن قد
فالآزفة هي القيامة، لأن الساعة قريبة، كما قال الله تعالى: {وما يدريك لعل الساعة قريب } وقال الله تعالى في الآية الأخرى: {وما يدريك لعل الساعة تكون قريباً } فهي قريبة، ويدل لقربها أن محمداً صلى الله عليه وسلم خاتم الرسل، فمعناه أن الأمر قريب، وأما كون الله تعالى يذكر أن الأمر قريب وبيننا وبين نزول القرآن أربعة عشر قرناً، ونحن في القرن الخامس عشر، ومع ذلك يذكر الله - عز وجل - أن الساعة قريبة، ومن هنا نعرف أن عُمر الدنيا طويل وبعيد، ولكن هل نأخذ بقول هؤلاء الذين يتخرصون، ويقولون: عمر الدنيا
الماضي كذا وكذا؟ والجواب: لا نأخذ بقولهم، ولا نصدقهم ولا نكذبهم، أحياناً يقولون: إنهم عثروا على آثار حيوان له كذا وكذا من ملايين السنين، أو على أحجار، فهذا لا نصدق ولا نكذب، لأنهم لا يعلمون الغيب الماضي، وإنما يقيسونه بحال الحاضر، أي يقيسون عمر هذا الأثر بحسب المؤثرات في الوقت الحاضر، لكن من يعلمنا أن المؤثرات في الوقت الحاضر هي المؤثرات في الوقت الماضي لا ندري، قد يتغير الطقس من حرارة إلى برودة، ومن برودة إلى حرارة، وقد تتغير الرياح والأمطار وغير ذلك، وما نقرأه أو نسمع به من علوم هؤلاء موقفنا نحوه أن لا نصدق ولا نكذب، أما في المستقبل فيجب أن نكذب كل من أخبر عن شيء مستقبل؛ لأنه يدعي الغيب، والله عز وجل يقول: {قل لا يعلم من في السماوات والأَرض الغيب إلا الله} فعليه: {أزفت الآزفة } أي قربت القيامة لكن هل يمكن أن نحدد مدى القرب؟ لا يمكن، ومن ادعى أنه يعلم أنه متى تقوم الساعة فإنه مكذب لله ورسوله، أما الله فقد قال تعالى: {يسئلك الناس عن الساعة قل إنما علمها عند الله وما يدريك لعل الساعة تكون قريباً } وأما الرسول عليه الصلاة والسلام فإن جبريل لما سأله قال: «أخبرني عن الساعة؟» قال له النبي صلى الله عليه وسلم : «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل» () يعني إذا كنت تجهلها فأنا مثلك، فمن ادعى أن الساعة تقوم بعد مليون سنة، أو مائة ألف سنة، أو أقل، أو أكثر فإننا يجب علينا أن نكذبه، ونقول: إنه كافر، لأنه مكذب لله ورسوله. {ليس لها من دون الله كاشفة } لها معنيان: المعنى الأول: كاشفة يعني مانعة، يعني لا أحد يكشفها أي: يمنعها، كما في قوله: {أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء}. والمعنى الثاني: كاشفة يعني عالمة تكشفها وتبينها، وعلى كل حال فلا أحد يمنع الساعة إذا شاء الله، ولا أحد اطلع على الساعة متى تكون.
{أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون وأنتم سامدون فاسجدوا لله واعبدوا} الخطاب هنا للمكذبين لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والاستفهام في قوله: {أفمن هذا الحديث} للإنكار والتعجب من هؤلاء المكذبين للرسول صلى الله عليه وسلم الذي جاء بالآيات البينات، وأخبر عن الأمم السابقة، وبيَّن أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم نذير من النذر الأولى، ويخشى على من كذبه أن يناله من العذاب ما نال المكذبين للنذر الأولى، يقول الله - عز وجل -: {أفمن هذا الحديث تعجبون } أيها المكذبون للنبي صلى الله عليه وسلم ، ومعنى {تعجبون } أي: ترونه عجباً منكراً، ولهذا قالوا: {أجعل الآلهة إلهاً وحداً إن هذا لشيء عجاب } وقال الله تعالى: {بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب } فهم يتخذون ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم عجباً، والمراد عجب الإنكار والاستبعاد، {وتضحكون}: يعني استهزاء بهذا الحديث الذي هو القرآن، وكذلك يضحكون بشرائع هذا الحديث، حيث كانوا يضحكون من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعباداته ويسخرون به، إذاً {تعجبون } إنكاراً {وتضحكون} استهزاء {ولا تبكون }، أي: لا تبكون من هذا الحديث خشية وخوفاً وإنابة إلى الله - عز وجل - بل هم أقسى الناس قلوباً ، - والعياذ بالله - أو من أقسى الناس قلوباً لا تلين قلوبهم ولا يبكون من خشية الله {وأنتم سامدون } أي: غافلون بما تمارسونه من اللغو والغناء وغير ذلك، لأن منهم من إذا سمعوا كلام الله - عز وجل - جعلوا يغنون، كما قال الله تعالى: {وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرءان والغوا فيه لعلكم تغلبون } فسامدون قيل: المعنى مغنون، وقيل: المعنى غافلون، والصواب أن المراد غافلون عنه بالغناء وغيره مما تتلهون به، حتى لا تسمعوا كلام الله - عز وجل -، وهذا نظير ما قاله المكذبون لأول رسول أرسل إلى بني آدم، حيث قال الله تبارك وتعالى عن قوم نوح: {وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذنهم} حتى لا يسمعوا {واستغشوا ثيابهم} أي: تغطوا بها حتى لا يروا ولا يبصروا {وأصروا واستكبروا استكباراً } فما كان في أول أمة كان في آخر أمة، {فاسجدوا لله واعبدوا } اسجدوا لله خضوعاً وذلاًّ، والمراد بالسجود هنا الصلوات كلها، وليس الركن الخاص الذي هو السجود، وليس أيضاً سجود التلاوة بل هو عام في كل الصلوات، {واعبدوا }، هذا عام لكل العبادات، وخص الصلاة بالذكر وقدَّمها؛ لأنها أهم العبادات البدنية الظاهرة بعد الشهادتين، وعلى هذا فيكون العطف في قوله: {واعبدوا } على قوله {فاسجدوا} من باب عطف العام على الخاص كما أن قوله تعالى: {تنزل الملائكة والروح فيها} من باب عطف الخاص على العام، وبهذا انتهى الكلام الذي منَّ الله به في تفسير هذه السورة، سورة النجم، أسأل الله تعالى أن ينفعني وإياكم به.
انتهى تفسير الشيخ رحمه الله .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
تفسير سورة النجم .للشيخ ابن العثيمين .ج3
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات متيجة :: منتدى الشريعة الاسلامية :: قسم القران الكريم و تفسيره-
انتقل الى: