منتديات متيجة
يشرفنا نحن ادارة منتدى متيجة ان نرحب بك زائرنا العزيز في المنتدى ونرجوا منك ان تشرفنا بتسجيلك معنا لتفيدة وتستفيد


منتدى متيجة هو منتدى ترفيهي علمي بامتياز هنا تجد كل ما تريده من تطبيقات و سريالات و العاب و فتاوة في الشريعة الاسلامية و تفسير القران و كل ما نستطيع توفيره من كتب علمية .ادبية .انسانية. وعلوم شرعية .بحوث الخ. ويوجد منتدى للفيديو يوتوب ونكت ..الخ وحتى الان
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 تفسير سورة البقرة .لابن العثيمين . تابع.** وان كنتم على سفر ...

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
نائب المدير
الادارة العامة
الادارة العامة
avatar

عدد المساهمات : 2120
نقاط : 7058
السٌّمعَة : 15
تاريخ التسجيل : 06/04/2010

مُساهمةموضوع: تفسير سورة البقرة .لابن العثيمين . تابع.** وان كنتم على سفر ...   الإثنين مايو 10, 2010 1:49 pm




القرآن
)وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) (البقرة:283)
التفسير:

{ 283 } قوله تعالى: { وإن كنتم على سفر } أي مسافرين؛ وذلك كقوله تعالى في آية الصيام: {ومن كان مريضاً أو على سفر} [البقرة: 185] ؛ وأتى بكلمة: { على } لتحقق هذا الأمر - وهو السفر؛ لأن { على } تدل على الاستعلاء؛ فكأنه متمكن من السفر، كالراكب على الراحلة؛ و «السفر» مفارقة الوطن؛ وبعضهم قال: مفارقة محل الإقامة؛ لأن الإنسان قد لا يستوطن؛ ولكن يقيم دائماً؛ والمفارقة قد تكون طويلة - ويسمى سفراً طويلاً؛ وقد تكون قصيرة - ويسمى سفراً قصيراً.
قوله تعالى: { ولم تجدوا كاتباً } أي يكتب بينكم؛ وهذا كما سبق يحتاج إليه فيما إذا تداينا بدين إلى أجل مسمى؛ فيكون المعنى: إن كنتم على سفر، وتداينتم بدَين إلى أجل مسمى ولم تجدوا كاتباً { فرهان مقبوضة}.
قوله تعالى: { فرهان مقبوضة } فيها قراءاتان؛ لقراءة الأولى: { فرِهان } بكسر الراء، ومدّ الهاء؛ والثانية: { فرُهُن } بضم الراء، والهاء بدون مدّ؛ ولهذا تكتب بالألف في خط المصحف لكي تصلح للقراءتين؛ ومعنى { فرهان } أي فعليكم رهن؛ أو فالوثيقة رهن - أو رهان؛ وعلى هذا فتكون إما مبتدأ خبره محذوف؛ وإما خبر مبتدأ محذوف؛ والجملة في محل جزم على أنها جواب الشرط؛ وقرنت بالفاء؛ لأنها جملة اسمية؛ وإذا كان جواب الشرط جملة اسمية فإنه يقترن بالفاء وجوباً؛ ولا تحذف إلا شذوذاً، أو اضطراراً؛ ومن حذفها قول الشاعر:
من يفعل الحسنات الله يشكرها ........ ولم يقل: فالله يشكرها؛ ولكن هذا على سبيل الضرورة، أو الندرة، والشذوذ.
و «الرهان» جمع رهْن؛ و«الرهن» في اللغة الحبس؛ ومنه قوله تعالى: { كل نفس بما كسبت رهينة} [المدثر: 38] أي محبوسة بما عملت؛ ولكنه في اصطلاح الفقهاء: توثقة دَين بعين يمكن استيفاؤه، أو بعضِهِ منها، أو من بعضها، مثل ذلك: زيد مدين لعمرو بعشرة آلاف ريال، فأرهنه سيارة تساوي عشرين ألف ريال؛ هنا يمكن استيفاء الدَّين من بعضه؛ لأن الرهن أكثر من الدَّين؛ مثال آخر: زيد مدين لعمرو بعشرين ألف ريال؛ فأرهنه سيارة تساوي عشرة آلاف ريال؛ فهنا يمكن استيفاء بعضه منها؛ لأن الدَّين أكثر من الرهن؛ فإذا كان الدَّين مساوياً للرهن، كما لو كان دينه عشرة آلاف ريال؛ فأرهنه سيارة تساوي عشرة آلاف ريال؛ فهنا يمكن استيفاء الدَّين كله من كل الرهن.
وقوله تعالى: { مقبوضة } أي يقبضها من يتوثق بها - وهو الطالب - من المطلوب الذي هو الراهن؛ والطالب الذي قبض الرهن يسمى مرتهناً؛ فهنا راهن، ومرتهن، ورهن، ومرهون به؛ فالرهن: العين؛ والراهن: معطي الرهن؛ والمرتهن؛ آخذ الرهن؛ والمرهون به: الدين؛ فأركان الرهن أربعة.
ولم يبين سبحانه وتعالى كيف القبض؛ فيرجع في ذلك إلى العرف؛ ومعناه: أن يكون الشيء في قبضة الإنسان، وتحت سيطرته.
قوله تعالى: { فإن أمن بعضكم بعضاً } أي اتخذه أميناً؛ بمعنى أنه وثق منه أن لا ينكر، ولا يبخس، ولا يغير؛ والجملة شرطية جوابها قوله تعالى: { فليؤد الذي اؤتمن أمانته }؛ والفاء في { فليؤد } رابطة لجواب الشرط؛ وهو قوله تعالى: { إن أمن... }؛ وجاءت الفاء رابطة مع أن جواب الشرط فعل مضارع؛ لأنه مقترن بلام الأمر الدالة على الطلب؛ ومتى كانت الجملة الجزائية طلبية وجب اقترانها بالفاء؛ واللام هنا جاءت ساكنة لوقوعها بعد الفاء؛ ولام الأمر تقع ساكنة إذا وقعت بعد الفاء، أو الواو، أو «ثم»؛ بخلاف لام التعليل فإنها تكون مكسورة على كل حال؛ و{ اؤتمن } فعل ماض مبني لما لم يسم فاعله؛ و{ أمانته } أي ما ائتمن عليه.
قوله تعالى: { وليتق الله ربه }؛ «يتق» مجزومة بحذف حرف العلة - وهو الياء؛ والكسرة دليل عليها - وهنا أردف الاسم الأعظم: { الله } بقوله تعالى: { ربه } تحذيراً من المخالفة؛ لأن «الرب» هو الخالق المالك المدبر؛ فاخشَ هذا الرب الذي هو إلهك أن تخالف تقواه.
قوله تعالى: { ولا تكتموا الشهادة }؛ { لا } ناهية؛ و «الكتمان» الإخفاء؛ و «الشهادة» ما شهد به الإنسان؛ أي لا تخفوا ما شهدتم به لا في أصله، ولا في وصفه؛ في أصله بأن ينكر الشهادة رأساً؛ وفي وصفه بأن يزيد فيها، أو ينقص.
قوله تعالى: { ومن يكتمها فإنه آثم قلبه } أي من يخفيها أصلاً، أو وصفاً، فقد وقع قلبه في الإثم؛ وإنما أضاف الإثم إلى القلب؛ لأن الشهادة أمر خفيّ؛ فالإنسان قد يكتمها، ولا يُعْلَم بها؛ فالأمر هنا راجع إلى القلب؛ ولأن القلب عليه مدار الصلاح، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت الجسد كله؛ وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب»(1).
قوله تعالى: { والله بما تعملون عليم }؛ «ما» هذه موصولة تفيد العموم، وتشمل كل ما يعمله الإنسان من خير أو شر في القلب، أو في الجوارح؛ وقَدّم { بما تعملون } على متعلّقها لقوة التحذير، وشدته؛ فكأنه حصر علمه فيما نعمل؛ فيكون هذا أشد في بيان إحاطته بما نعمل؛ فيتضمن قوة التحذير؛ وليس مقتضاه حصر العلم على ما نعمل فقط.

الفوائد:
1 - من فوائد الآية: أنه إذا لم يجد كاتباً في السفر فإنه يوثق الحق بالرهن المقبوض.
2 - ومنها: عناية الله عز وجل بحفظ أموال عباده؛ يعني أنه سبحانه وتعالى ذكر حتى هذه الصورة: أن الإنسان إذا داين غيره، ولم يجد كاتباً فإنه يرتهن رهناً حفظاً لماله، وخوفاً من النزاع، والشقاق في المستقبل.
3 - ومنها: جواز الرهن؛ لقوله تعالى: { فرهان }؛ ولكن ذلك مشروط - حسبما في الآية - بالسفر سواء كان قصيراً، أو طويلًا؛ وبألا نجد كاتباً؛ فهل هذا الشرط معتبر؟ الجواب: دلت السنة على عدم اعتباره: فقد اشترى النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثين صاعاً من الشعير لأهله، ورهن درعه عند يهودي حتى مات(1)؛ وهذا يدل على جواز الرهن في الحضر حتى مع وجود الكاتب.
فإذا قال قائل: إذا كان الأمر هكذا فما الجواب عن الآية؟ فالجواب عن الآية أن الله عز وجل ذكر صورة إذا تعذر فيها الكاتب فإن صاحب الحق يتوثق لحقه بالرهن المقبوض؛ فذكر هذه الصورة لا على أنها شرط للحكم؛ يعني كأنه قال: إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه؛ وإن كنتم في السفر، وليس عندكم كاتب فرهان مقبوضة.
4 - ومن فوائد الآية: أن بعض العلماء استدل بهذه الآية على لزوم القبض في الرهن؛ وفي هذه المسألة ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن قبض الرهن شرط لصحته؛ لأن الله جعل القبض وصفاً في الرهن؛ والوصف لازم للموصوف.
والقول الثاني: أن القبض شرط للزوم الرهن - لا لصحته؛ وعلى هذا القول يكون الرهن صحيحاً - وإن لم يُقبَض - لكنه ليس بلازم؛ فللراهن أن يتصرف فيه بما شاء.
والقول الثالث: أن القبض - أعني قبض الرهن - ليس بشرط لا للصحة، ولا للزوم؛ وإنما ذكر الله القبض في هذه الحال؛ لأن التوثق التام لا يحصل إلا به لكون المتعاقدين في سفر؛ وليس ثمة كاتب، فلا يحصل تمام التوثقة بالرهن إلا بقبضه؛ وهذا القول هو الراجح؛ وعليه فالرهن لازم صحيح بمجرد عقده - وإن لم يقبض؛ لقول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} [المائدة: 1] ، وقوله تعالى: {وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً} [الإسراء: 34] ؛ وعلى هذا القول عمل الناس: فترى الرجل يكون راهناً بيته وهو ساكن فيه، أو راهناً سيارته وهو يستعملها؛ ولا تستقيم حال الناس إلا بذلك.

5 - ومن فوائد الآية: أنه إذا حصل الائتمان من بعضنا لبعض لم يجب رهن، ولا إشهاد، ولا كتابة؛ لقوله تعالى: { فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي اؤتمن أمانته }؛ ولهذ قال كثير من العلماء: إن هذه ناسخة لما سبق في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} [البقرة: 282] ، وقوله تعالى: {وأشهدوا إذا تبايعتم} [البقرة: 282] ، وقوله تعالى: { وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة }؛ والصحيح أنها ليست ناسخة؛ بل مخصِّصة لما سبق.
6 - ومنها: وجوب أداء الأمانة على من اؤتمن؛ لقوله تعالى: { فليؤد الذي اؤتمن أمانته }؛ فإذا وجب أداء الأمانة حرمت الخيانة.
7 - ومنها: أنه لو تلفت العين بيد الأمين فإنه لا ضمان عليه ما لم يتعد، أو يفرط؛ لقوله تعالى: { فليؤد الذي اؤتمن أمانته }؛ فسماها الله سبحانه وتعالى أمانة؛ والأمين يده غير متعدية؛ فلا يضمن إلا إذا حصل تعدٍّ، أو تفريط؛ ومن التعدي إذا أعطي الإنسانُ أمانة للحفظ تصرف فيها - كما يفعل بعض الناس - ببيع، أو شراء، أو نحو ذلك؛ وهذا حرام لا يجوز؛ وإذا أردت أن تفعل فاستأذِن من صاحبها؛ فإن أذن لك صارت عندك قرضاً.
8 - ومن فوائد الآية: أنه يجب على هذا الذي اؤتمن ألا يغتر بثقة الناس به، فيفرط فيما يجب عليه من أداء الأمانة؛ لقوله تعالى: { وليتق الله ربه }؛ فأمره الله سبحانه وتعالى بأن يتقي الله: قال تعالى: { وليتق الله }، وأردفها بقوله تعالى: { ربه }؛ ففيه فائدة - وهي أن الإنسان في هذه المقامات ينظر إلى مقام الربوبية كما ينظر إلى مقام الألوهية؛ فبنظره إلى مقام الألوهية يفعل هذا تعبداً لله سبحانه وتعالى، وتقرباً له؛ وبنظره إلى مقام الربوبية يحذر المخالفة؛ لأن الرب هو الذي له الخلق، والملك، والتدبير؛ فلا بد أن يقرن الإنسان بين مقام الألوهية، ومقام الربوبية.
9 - ومن فوائد الآية: إثبات ما دلّ عليه هذان الاسمان؛ وهما «الله» ، و «الرب» ؛ فالأول فيه إثبات الألوهية؛ والثاني فيه إثبات الربوبية؛ لأن المعبود لابد أن يكون أهلاً للعبادة؛ والرب لابد أن يكون أهلاً للربوبية؛ ولا يتحقق ذلك إلا بكمال الصفات؛ ولهذا نقول: توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية؛ والتوحيدان يستلزمان كمال الأسماء، والصفات؛ ولهذا قال إبراهيم (ص) لأبيه: {يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً} [مريم: 42] .
10 - ومن فوائد الآية تحريم كتمان الشهادة؛ يعني إخفاءها سواء كان كتمان أصلها، أو وصفها؛ وسواء كان الحامل لها القرابة، والغنى؛ أو البعد، والفقر؛ لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما...} [النساء: 135] الآية.
11 - ومنها: أن كتْم الشهادة من الكبائر؛ لوجود العقوبة الخاصة بها - وهي قوله تعالى: { فإنه آثم قلبه }.
12 - ومنها: عظم كتم الشهادة؛ لأنه أضاف الإثم فيها إلى القلب؛ وإذا أثم القلب أثمت الجوارح؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله»(1)؛ وقوله (ص): «التقوى هاهنا»(2) وأشار إلى صدره؛ فالتقوى في القلب، وليست في اللسان، ولا في الأفعال، ولا في الأحوال؛ فقد يكون الإنسان متقياً بفعله متقياً بقوله غير متقٍ بقلبه: تجده بفعله يتزيّ بزي المسلم الخالص - من إعفاء اللحية، والوقار، والسكينة، وكذلك يقول قول المسلم الخالص: «أستغفر الله»، «اللهم اغفر لي»، ويذكر الله، ويكبر؛ هذه لا شك تقوى في الظاهر؛ والغالب أنها دليل على تقوى الباطن.
13 - ومن فوائد الآية: عموم علم الله سبحانه وتعالى بكل ما نعمل؛ لقوله تعالى: { بما تعملون عليم }؛ فإن { ما } اسم موصول؛ والاسم الموصول يفيد العموم، فيشمل كل ما نعمل من أعمال القلب، وأعمال الجوارح.
إذا قال قائل: ما فائدة التقديم هنا - إن قيل: لمراعاة الفواصل قلنا: فالنون تأتي في الفواصل كثيراً، مثل قوله تعالى: {إنه خبير بما تفعلون} [النمل: 88] ؛ وإن قيل: للحصر قلنا: لا يصح؛ لأن الله يعلم كل شيء؛ لا يختص علمه بما نعمل فقط؛ فلا وجه للحصر؛ إذاً ما الفائدة؟.
فالجواب: الفائدة شدة التحذير، والتنبيه، كأنه يقول: لو لم يعلم شيئاً - وحاشاه من ذلك - لكان عالماً بعملنا؛ فمن قوة التحذير والإنذار جاء الكلام على وجه الحصر الإضافي.
14 - إذا قال قائل: هل نستفيد من هذا أن من أسماء الله «العليم»؟ قلنا: ربما نقول ذلك؛ وقد لا نقوله؛ قد نقول: إن الاسم إذا قيد بمتعلِّق فإنه ينقلب إلى وصف، فيكون «عليم بكذا» ليس كقوله تعالى: {وهو السميع العليم} [البقرة: 137] ؛ لأن هذا قُيد: «عليم بـ...»، فكان وصفاً، وليس اسماً؛ أما لو قال تعالى: {وهو العليم الحكيم} [الزخرف: 84] لكان هذا اسماً بلا شك.
15 - ومن فوائد الآية: التحذير من المخالفة بكون الله سبحانه وتعالى عالماً بما نعمل؛ وجه التحذير: تقديم المعمول.
16 - ومنها: الرد على غلاة القدرية الذين يقولون: إن الله لا يعلم بأفعال العباد إلا إذا وقعت؛ فإن قوله تعالى: { بما تعملون عليم } يتضمن ما قد عملناه بالفعل، وما سنعمله.

القرآن
)لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة:284)
التفسير:
{ 284 } قوله تعالى: { لله ما في السموات وما في الأرض } جملة خبرية قُدِّم فيها الخبر لإفادة الحصر؛ يعني: أن كل شيء في السموات أو في الأرض فهو لله خلقاً، وملكاً، وتدبيراً؛ وليس لأحد غيره فيه ملك.
قوله تعالى: { وإن تبدو ما في أنفسكم أو تخفوه }؛ جملة شرطية جوابها: { يحاسبكم به الله }.

وقوله تعالى: { وإن تبدوا } أي وإن تظهروا؛ { ما في أنفسكم } أي ما في قلوبكم؛ { أو تخفوه } يعني تسرُّوه، فلا يطلع عليه أحد.
قوله تعالى: { يحاسبكم به الله } أي يُطْلِعكم عليه على وجه المحاسبة؛ ولا يلزم من المحاسبة العقوبة؛ ولهذا قال تعالى: { فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء }.
قوله تعالى: { فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء } فيها قراءتان؛ قراءة بالسكون؛ وقراءة بالرفع؛ وجه قراءة السكون أنه معطوف على { يحاسبكم } الذي هو جواب الشرط؛ والمعطوف على المجزوم مجزوم؛ ووجه قراءة الرفع أنه على سبيل الاستئناف؛ فالفاء استئنافية تفيد قطع الجملة التي بعدها عما قبلها؛ و «المغفرة» ستر الذنب مع التجاوز عنه؛ لأن مادة «غفر» مأخوذة من المغفر - وهو ما يلبسه المقاتل على رأسه ليتقي بها السهام؛ وهو جامع بين ستر الرأس، والوقاية؛ و{ يعذب من يشاء } أي يعاقب.
قوله تعالى: { والله على كل شيء قدير } أي يوجد المعدوم، ويعدم الموجود بدون عجز؛ لقوله تعالى: {وما كان الله ليعجزه من شيء في السموات ولا في الأرض إنه كان عليماً قديراً} [فاطر: 44]
ولما نزلت على رسول الله (ص): { لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير } اشتد ذلك على الصحابة، فأتوا رسول الله (ص)، ثم بركوا على الركب، فقالوا: أي رسول الله، كلفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة، والصيام، والجهاد، والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها؛ قال رسول الله (ص): «أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا! بل قولوا: {سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير} ، قالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير؛ فلما اقترأها القوم ذَلَّت بها ألسنتهم فأنزل الله في إثرها: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير} [البقرة: 285] ؛ فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى، فأنزل الله عز وجل: {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} قال تعالى: «نعم»؛ {ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا} قال تعالى: «نعم»؛ {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} قال تعالى: «نعم»؛ {واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين} قال تعالى: «نعم»(1).
الفوائد:
1 - من فوائد الآية: عموم ملك الله سبحانه وتعالى؛ لقوله تعالى: { لله ما في السموات وما في الأرض }؛ وليس معلوماً لنا سوى السموات والأرض؛ ويدخل في السموات الكرسي، والعرش، والملائكة، وأرواح بني آدم التي تكون في السماء، كأرواح المؤمنين في الجنة؛ لأن المراد بذلك كل ما علا؛ بل ويشمل ما بين السماء والأرض من الأفلاك، والنجوم، وغير ذلك؛ لأنها داخلة في السموات؛ لأنها في جهتها؛ ويدخل في الأرض العاقل، وغير العاقل؛ فيشمل بني آدم، والجن، ويشمل الحيوانات الأخرى، ويشمل الأشجار، والبحار، والأنهار، وغير ذلك.
2 - ومن فوائد الآية: أن الله عز وجل هو القائم على هذه السموات والأرض يدبرها كما يشاء؛ لأنها ملكه.
3 - ومنها: أن الله لا شريك له في ذلك الملك؛ يستفاد ذلك من تقديم الخبر الذي حقه التأخير؛ وتقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر؛ و«الحصر» إثبات الحكم في المذكور، ونفيه عما سواه.
4 - ومنها: وجوب إفراد الله سبحانه وتعالى بالألوهية؛ لأن الإقرار بالربوبية يستلزم الإقرار بالألوهية - ولابد؛ ولهذا قال الله تعالى: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم} [البقرة: 21] ؛ فجعل الربوبية موجباً لعبادته؛ وفي سورة النمل قال تعالى: {أمن خلق السموات والأرض...} [النمل: 60] إلى آخر الآيات التي فيها تختم كل آية بقوله تعالى: {أإله مع الله} [النمل: 60] يعني: فإذا كان هو المنفرد بما ذُكِر فإنه المنفرد بالألوهية.
5 - ومن فوائد الآية: إثبات صفات الكمال لله عز وجل؛ لأننا إذا تأملنا في هذا الملك الواسع العظيم، وأنه يدبَّر بانتظام لا مثيل له علمنا بأن الذي يدبره كامل الصفات؛ فيؤخذ منه كل صفة كمال لله، كالعلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والكلام، والعزة، والحكمة، وغير ذلك من صفاته عز وجل؛ لأنه لا يمكن أن يقوم بملك هذه الأشياء العظيمة إلا من هو متصف بصفات الكمال.



6 - ومنها: إثبات أن السموات أكثر من واحدة؛ وهي سبع بنص القرآن، والسنة، والإجماع؛ أما القرآن فمثل قوله تعالى: {قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم} [المؤمنون: 86] ، وقوله تعالى: {الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن} [الطلاق: 12] ؛ وأما السنة فمثل قوله (ص): «اللهم رب السموات السبع وما أظللن، ورب الأرضين السبع وما أقللن، ورب الرياح وما ذرين...»(1) الحديث؛ وأما الأرض فإنها جاءت بلفظ الإفراد في القرآن، وجاءت في السنة بلفظ الجمع؛ وعددها سبع: جاء ذلك في صريح السنة، وفي ظاهر القرآن؛ ففي ظاهر القرآن: {الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن} [الطلاق: 12] ؛ لأن المماثلة في الوصف متعذرة؛ فلم يبق إلا العدد؛ وأما في السنة لمثل قوله (ص): «من اقتطع شبراً من الأرض ظلماً طوقه الله إياه يوم القيامة من سبع أرضين»(2).
7 - ومن فوائد الآية: عموم علم الله وسعته؛ لقوله تعالى: { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله }؛ ولا محاسبة إلا من بعد علم.
8 - ومنها: تحذير العبد من أن يخفي في قلبه ما لا يرضاه الله عز وجل؛ لأن الإنسان إذا علم بأن الله عالم بما يبدي وبما يخفي فسوف يراقب الله سبحانه وتعالى خوفاً من أن يحاسَب على ما أخفاه كما يحاسَب على ما أبداه.
9 - ومنها: إثبات أن العبد يحاسب على ما في نفسه؛ وظاهره العموم؛ لقوله تعالى: { ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله }؛ ولكن جاءت النصوص الأخرى بالتفصيل في ذلك على النحو التالي:
الأول: أن يكون ما يطرأ على النفس وساوس لا قرار لها، ولا ركون إليها؛ فهذه لا تضر؛ بل هي دليل على كمال الإيمان؛ لأن الشيطان إذا رأى من قلب الإنسان إيماناً ويقيناً حاول أن يفسد ذلك عليه؛ ولهذا لما شكا الصحابة إلى رسول الله (ص) ما يجدونه في أنفسهم من هذا قال صلى الله عليه وسلم: «وقد وجدتموه؟ قالوا: نعم؛ قال: ذاك صريح الإيمان»(3)؛ وفي حديث آخر: «الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة»(4).
الثاني: أن يهمّ بالشيء المحرم، أو يعزم عليه، ثم يتركه؛ وهذا أنواع:
النوع الأول: أن يتركه لله؛ فيثاب على ذلك، كما جاءت به السنة فيمن همّ بسيئة فلم يعملها أنها تكتب حسنةً كاملة؛ قال الله تعالى: «لأنه تركها من جرّائي»(5)، أي من أجلي.
النوع الثاني: أن يهمّ بها، ثم يتركها عزوفاً عنها؛ فهذا لا له، ولا عليه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات؛ وإنما لكل امرئ ما نوى»(6).
النوع الثالث: أن يتمناها، ويحرص عليها؛ ولكن لا يعمل الأسباب التي يحصِّلها بها؛ فهذا يعاقب على نيته دون العقاب الكامل، كما جاء في الحديث في فقير تمنى أن يكون له مثل مال غني كان ينفقه في غير مرضاة الله؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فهو بنيته؛ فهما في الوزر سواء»(7).
النوع الرابع: أن يعزم على فعل المعصية، ويعمل الأسباب التي توصل إليها؛ ولكن يعجز عنها؛ فعليه إثم فاعلها؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قالوا: يا رسول الله هذا القاتل؛ فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه»
10 - ومن فوائد الآية: إثبات محاسبة العبد؛ لقوله تعالى: { يحاسبكم به الله }؛ ولهذا يروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا»(1)؛ فينبغي للإنسان أن يكون كيساً يحاسب نفسه قبل أن يحاسَب؛ وإني لأعجب أن كثيراً من الناس إذا كان له تجارة دنيوية فإنه لا ينام حتى ينظر في الدفاتر: ما الذي خرج؟ وما الذي دخل؟ وما الذي بقي في ذمم الناس؟ وما الذي بيع؟ وما الذي اشتري؟ إما بنفسه؛ وإما بمن يجعلهم على هذا؛ ولكننا في أعمالنا الأخروية عندنا تفريط - يعني يندر يوماً من الأيام أن تقول: ماذا عملت اليوم؟ وتستغفر مما أسأت فيه، أو فرطت؛ وتحمد الله على ما قمت به من طاعته.
11 - ومن فوائد الآية: أن الله سبحانه وتعالى لم يصرح بالمعاقبة؛ ولا يلزم من المحاسبة المؤاخذة؛ لقوله تعالى: { فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء }؛ ويؤيده ما ثبت في الصحيح أن الله عز وجل يخلو بعبده المؤمن، فيقرره بذنوبه، ويقول: «عملت كذا في يوم كذا» حتى يقر؛ فإذا رأى أنه قد هلك يقول الله عز وجل: «قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم»(2).
12 - ومنها: سعة علم الله عز وجل، وكان من أسمائه: «الواسع» أي ذو السعة في جميع صفاته.
13 - ومنها: إثبات المشيئة لله عز وجل؛ لقوله تعالى: { فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء }؛ ومشيئته تعالى مقرونة بالحكمة؛ لقوله تعالى: {وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليماً حكيماً} [الإنسان: 30] ؛ كل شيء أضافه الله إلى مشيئته فاعلم أنه مقرون بحكمة؛ لا يشاء شيئاً إلا لحكمة - أياً كان هذا الشيء.
14 - ومنها: أنه بعد المحاسبة إما أن يغفر للإنسان؛ وإما أن يعذبه؛ لقوله تعالى: { فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء } فإن كان كافراً عذب؛ وإن كان مسلماً كان تحت المشيئة، كما قال تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48] .
15 - ومنها: إثبات القدرة لله، وعمومها في كل شيء؛ لقوله تعالى: { والله على كل شيء قدير }؛ فلا أحد يقدر على كل شيء إلا الله عز وجل؛ وأما المخلوق فقدرته محدودة.
فإن قيل: لماذا ختم الآية بالقدرة من بعد قوله تعالى: { فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء }؛ ولم يختمها بالرحمة، ولا بالعقوبة؟
فالجواب: أن المحاسبة تكون بعد البعث؛ والبعث يدل على القدرة؛ كما قال تعالى: {أو لم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير} [الأحقاف: 33] ، وقال تعالى: {إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير} [فصلت: 39] .
وجه آخر: لو ختمت الآية بما يقتضي الرحمة وفيها التعذيب لم يكن هناك تناسب؛ ولو ختمت بما يقتضي التعذيب وفيها مغفرة لم يكن هناك تناسب؛ والقدرة تناسب الأمرين: تناسب المغفرة، وتناسب التعذيب؛ لأن المغفرة، والتعذيب كلٌّ لا يكون إلا بقدرة الله عز وجل.

القرآن
)آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) (البقرة:285)
التفسير:
{ 285 } قوله تعالى: { آمن }؛ سبق مراراً، وتكراراً بأنه الإقرار المستلزم للقبول، والإذعان - لقبول الخبر، والإذعان للحكم، أو لما يقتضيه؛ أما مجرد التصديق، والإقرار فلا ينفع؛ ولهذا كان أبو طالب مقراً ببعثة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنه على حق؛ لكن لما لم يكن منه قبول وإذعان لم ينفعه هذا الإقرار؛ فالإيمان شرعاً هو الإقرار المستلزم للقبول، والإذعان.
قوله تعالى: { الرسول }؛ «أل» هنا للعهد؛ والمراد به محمد صلى الله عليه وسلم؛ { الرسول } بمعنى مرسَل؛ و «الرسول» - كما قال العلماء - هو من أوحي إليه بشرع، وأُمِر بتبليغه؛ هذا الذي عليه أكثر أهل العلم؛ و «النبي» هو الذي لم يؤمر بتبليغه ما لم يدل الدليل على أن المراد به الرسول؛ ففي القرآن الكريم كل من وصف بالنبوة فهو رسول؛ لقوله تعالى: {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده...} [النساء: 163] إلى قوله تعالى: {رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} [النساء: 165] ؛ ولقوله تعالى: {ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله} [غافر: 78] .
قوله تعالى: { بما أنزل إليه من ربه } أي بالذي أنزل إليه من ربه؛ والذي أنزل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بيَّنه الله سبحانه وتعالى في قوله: {وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة} [النساء: 113] - فهو القرآن، والسنة؛ والرسول صلى الله عليه وسلم كيف آمن بهما؟ الرسول آمن بأن القرآن من عند الله أنزله إليه ليبلغه إلى الناس، وآمن بأن ما أوحي إليه من السنة هو من الله عز وجل؛ أوحي به ليبلغه إلى الناس؛ ثم هو أيضاً آمن بما يقتضيه هذا المنزل من قبول، وإذعان؛ ولهذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم أشد الناس تصديقاً بما أنزل إليه، وأقواهم إيماناً بلا شك، وكان أيضاً أعظمهم تعبداً لله عز وجل حتى إنه كان يقوم في الليل حتى تتورم قدماه مع أنه قد غُفر له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر(1)؛ وقام معه ابن مسعود رضي الله عنه ذات ليلة يقول: فقام فأطال حتى هممت بأمر سوء؛ قالوا: بم هممت يا أبا عبد الرحمن؟ قال: «هممت أن أجلس، وأدعه»(2)؛ لأن الرسول كان يقوم قياماً طويلاً - صلوات الله وسلامه عليه؛ إذاً فهو أقوى الناس إيماناً، وأشدهم رغبة في الخير، وأكثرهم عبادة.
وقوله تعالى: { من ربه } يراد بها الربوبية أخص الخاصة؛ لأن ربوبية الله عز وجل عامة؛ وخاصة؛ وأخص الخاصة؛ فالعامة الشاملة لكل الخلق، مثل: {رب العالمين} [الفاتحة: 1] ؛ و الخاصة للمؤمنين؛ و خاصة الخاصة للرسل - عليهم الصلاة والسلام -؛ فالذين يقولون: {ربنا إننا آمنا فاغفر لنا} [آل عمران: 16] هذه ربوبية خاصة لكل المؤمنين؛ ومثل: { آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه } هذه أخص الخاصة، ومثلها: {فلا وربك لا يؤمنون} [النساء: 65] ؛ يقابل ذلك «العبودية»: عبودية عامة؛ وخاصة؛ وأخص الخاصة؛ العامة مثل قوله تعالى: {إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً} [مريم: 93] ؛ و الخاصة مثل قوله تعالى: {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً} [الفرقان: 63] ؛ و خاصة الخاصة مثل قوله تعالى: {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده} [الفرقان: 1] ، وقوله تعالى: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا} [البقرة: 23] ؛ ولا شك أن الربوبية الخاصة تقتضي تربية خاصة لا يماثلها تربية أحد من العالمين.
قوله تعالى: { والمؤمنون } بالرفع عطفاً على { الرسول } يعني: المؤمنون كذلك آمنوا بما أنزل إلى النبي صلى الله عليه وسلم من الله؛ فيؤمنون بثلاثة أشياء: بالمرسِل - وهو الله عز وجل؛ والمرسَل - وهو الرسول صلى الله عليه وسلم؛ والمرسَل به - وهو الوحي: الكتاب، والسنة.
فإن قال قائل: كيف قال تعالى: { والمؤمنون }: فوصفهم بالإيمان مع أنهم مؤمنون؟ فنقول: هذا من باب التحقيق؛ يعني: أن المؤمنين حققوا الإيمان، وليس إيمانهم إيماناً ظاهراً فقط - كما يكون من المنافق الذي يُظهر الإيمان، ولكنه مبطن للكفر.
قوله تعالى: { كل } يعني: من الرسول، والمؤمنين؛ { آمن بالله }: أي بوجوده، وربوبيته، وألوهيته، وأسمائه، وصفاته - كما تقدم ذلك مبسوطاً.

قوله تعالى: { وملائكته } معطوف على الاسم الكريم: «الله» ؛ والملائكة عالم غيبي خلقهم الله عز وجل من نور، وأعطاهم قوة، وقدرة على تنفيذ ما يريد منهم؛ قال الله تعالى في ملائكة النار: {لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون} [التحريم: 6] .
قوله تعالى: { وكتبه }؛ وفي قراءة: «وكتابه» ؛ ولا منافاة؛ لأن المفرد المضاف يعم؛ والكتب المنزلة على الأنبياء الذي يظهر من نصوص الكتاب والسنة أنها بعدد الأنبياء، كما قال تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان} [الحديد: 25] ، وقال تعالى: {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه} [البقرة: 213] ؛ ولكن مع ذلك فنحن لا نعرف على التعيين إلا عدداً قليلاً منها: القرآن، والتوراة، والإنجيل، والزبور، وصحف إبراهيم، وصحف موسى - إن كانت غير التوراة؛ وإن كانت هي التوراة فالأمر ظاهر؛ نعرف هذه الكتب، ونؤمن بها على أعيانها؛ والباقي نؤمن بها على سبيل الإجمال؛ ولكن كيف الإيمان بهذه الكتب؟ نقول: الإيمان بالقرآن هو الإيمان بأنه كلام الله منزل على محمد صلى الله عليه وسلم بلسان عربي مبين؛ ونصدق بكل أخباره؛ ونلتزم بكل أحكامه؛ وأما الإيمان بالكتب السابقة فهو أن نؤمن بأن الله أنزل التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى، وآتى داود الزبور، وأنزل صحفاً على إبراهيم، وموسى؛ وأن كل ما جاء فيها من خبر فهو حق صدق؛ وأما الأحكام فما جاءت شريعتنا بخلافه فالعمل على ما جاءت به شريعتنا؛ لأنه منسوخ؛ وأما ما لا يخالف شريعتنا فاختلف العلماء في العمل به؛ والصحيح أنه يعمل به؛ وبسط ذلك في أصول الفقه؛ وليعلم أن التوراة التي بأيدي اليهود اليوم، والإنجيل الذي بأيدي النصارى لا يوثق بهما؛ لأنهم حَرَّفوا، وبدلوا، وكتموا الحق.
قوله تعالى: { ورسله } جمع رسول.
قوله تعالى: { لا نفرق بين أحد من رسله }؛ هنا التفات من الغيبة إلى التكلم؛ ومقتضى السياق لو كان على نهج واحد لقال: «لا يفرقون بين أحد من رسله»؛ ولكنه تعالى قال: { لا نفرق }؛ وفائدة الالتفات هي التنبيه؛ لأن الكلام إذا كان على نسق واحد فإن الإنسان ينسجم معه، وربما يغيب فكره؛ وأما إذا جاء الالتفات فكأنه يقرع الذهن يقول: انتبه! فالالتفات هنا من الغيبة إلى التكلم له فائدة زائدة على التنبيه - وهي أن يقول هؤلاء المؤمنون: { لا نفرق } بقلوبنا، وألسنتنا { بين أحد من رسله }؛ فالكل عندنا حق؛ فمحمد صلى الله عليه وسلم صادق فيما جاء به من الرسالة، وعيسى بن مريم (ص) صادق، وموسى (ص) صادق، وصالح (ص) صادق، ولوط (ص) صادق، وإبراهيم (ص) صادق... وهكذا؛ لا نفرق بينهم في هذا الأمر - أي في صدق رسالتهم، والإيمان بهم؛ ولكن نفرق بينهم فيما كلفنا به: فنعمل بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم؛ وأما شريعة أولئك فعلى ما ذكرنا من الخلاف.
قوله تعالى: { سمعنا وأطعنا } أي سمعنا ما أمرتنا به، أو نهيتنا عنه؛ وأطعنا فعلاً للمأمور، وتركاً للمحظور.
قوله تعالى: { غفرانك } مفعول لفعل محذوف؛ والتقدير: نسألك غفرانك؛ والمغفرة ستر الذنب، والتجاوز عنه.
قوله تعالى: { ربنا } أي يا ربنا؛ وحذفت «يا» النداء للبداءة باسم الله.
قوله تعالى: { وإليك المصير } أي المرجع في أمور الدنيا، والآخرة؛ ومن المصير إليه: يوم القيامة؛ وقدم الخبر لإفادة الحصر.
الفوائد:
1 - من فوائد الآية: أن محمداً (عليه السلام) مكلف بالإيمان بما أنزل إليه؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «أشهد أني رسول الله»(1)، في قصة دين جابر رضي الله عنه - كما في صحيح البخاري.
2 - ومنها: أن القرآن كلام الله؛ لقوله تعالى: { بما أنزل إليه من ربه }؛ والمنزل هو الوحي؛ والكلام وصف لا يقوم إلا بمتكلم؛ لا يمكن أن يقوم بنفسه؛ وعلى هذا يكون في الآية دليل على أن القرآن كلام الله - الوحي الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم.
3 - ومنها: إثبات علوّ الله عز وجل؛ لأن النزول لا يكون إلا من أعلى؛ لقوله تعالى: { بما أنزل إليه }.
4 - ومنها: إثبات رسالة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لقوله تعالى: { الرسول }، وقوله تعالى: { بما أنزل إليه من ربه }.
5 - ومنها: عظم ربوبية الله، وأخصيتها بالنسبة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث قال تعالى: { بما أنزل إليه من ربه }.
ويتفرع على ذلك أن الله سبحانه وتعالى سينصره؛ لأن الربوبية الخاصة تقتضي ذلك - لا سيما وأنه سوف يبلِّغ ما أنزل إليه من ربه.
6 - ومن فوائد الآية: أن المؤمنين تبع للرسول (ص)؛ لقوله تعالى: { آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون }؛ وجه التبعية أنه ذكر ما آمن به قبل أن يذكر التابع - يعني ما قال: «آمن الرسول والمؤمنون بما أنزل إليه»، وهذا يدل على أنهم أتباع للرسول (ص) لا يستقلون بشريعة دونه.
7 - ومنها: أنه كلما كان الإنسان أقوى إيماناً بالرسول صلى الله عليه وسلم كان أشد اتباعاً له؛ وجهه أنه تعالى قال: { بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون } يعني: والمؤمنون آمنوا بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم من ربه؛ وعليه فكل من كان أقوى إيماناً كان أشد اتباعاً.
8 - ومنها: أن إيمان الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين شامل لكل أصول الدين؛ لقوله تعالى: { كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله }؛ ويبقى عندنا إشكال؛ وهو أنه ليس في الآية ذكر الإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالقدر؟ والجواب من أحد وجهين:
أحدهما: أن يقال: إن هذا داخل في عموم قوله تعالى: { بما أنزل إليه من ربه }.
والوجه الثاني: أن يقال: إن الإيمان بالكتب، والرسل متضمن للإيمان باليوم الآخر، والقدر.
9 - ومن فوائد الآية: إثبات الملائكة.
10 - ومنها: أن الإيمان بالرسل ليس فيه تفريق؛ لا تقول مثلاً: نؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، ولا نؤمن بعيسى لأن عيسى من بني إسرائيل؛ نحن لا نفرق بين الرسل؛ وقد سبق لنا معنى قوله تعالى: { لا نفرق }.
11 - ومن فوائد الآية: أن من صفات المؤمنين السمع، والطاعة؛ لقوله تعالى: { وقالوا سمعنا وأطعنا }؛ وهذا كقوله تعالى: {إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون * ومن يطع الله ورسوله ويخشى الله ويتقه فأولئك هم الفائزون} [النور: 51، 52] ، وكقوله تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} [الأحزاب: 36] ؛ والناس في هذا الباب على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: من لا يسمع، ولا يطيع؛ بل هو معرض؛ لم يرفع لأمر الله، ورسوله رأساً.
القسم الثاني: من يسمع، ولا يطيع؛ بل هو مستكبر؛ اتخذ آيات الله هزواً، كقوله تعالى: {وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبراً كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقراً فبشره بعذاب أليم} [لقمان: 7] ، وكقوله تعالى: {وقالوا سمعنا وعصينا} [البقرة: 93] ؛ وهذا أعظم جرماً من الأول.
القسم الثالث: من يسمع، ويطيع؛ وهؤلاء هم المؤمنون الذين قالوا سمعنا وأطعنا، وقال الله سبحانه وتعالى فيهم: {ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً} [الأحزاب: 71] .
12 - ومن فوائد الآية: أن كل أحد محتاج إلى مغفرة الله؛ لقوله تعالى: { غفرانك }؛ فكل إنسان محتاج إلى مغفرة - حتى النبي صلى الله عليه وسلم محتاج إلى مغفرة؛ ولهذا لما قال صلى الله عليه وسلم: «لن يُدخل الجنة أحداً عملُه قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمة»(1)؛ وقال الله سبحانه وتعالى: {إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً * ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} [الفتح: 1، 2] ، وقال تعالى: {فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات} [محمد: 19] ؛ واعلم أن الإنسان قد يكون بعد الذنب أعلى مقاماً منه قبل الذنب؛ لأنه قبل الذنب قد يكون مستمرئاً للحال التي كان عليها، وماشياً على ما هو عليه معتقداً أنه كامل، وأن ليس عليه ذنوب؛ فإذا أذنب، وأحس بذنبه رجع إلى الله، وأناب إليه، وأخبت إليه، فيزداد إيماناً، ويزداد مقاماً - يرتفع مقامه عند الله عز وجل؛ ولهذا قال الله تعالى في آدم: {وعصى آدم ربه فغوى * ثم اجتباه ربه} [طه: 121، 122] - فجعل الاجتباء بعد هذه المعصية - {فتاب عليه وهدى} [طه: 122] ؛ وهذا كثيراً ما يقع: إذا أذنب الإنسان عرف قدر نفسه، وأنه محتاج إلى الله، ورجع إلى الله، وأحس بالخطيئة، وأكثر من الاستغفار، وصار مقامه بعد الذنب أعلى من مقامه قبل الذنب.
13 - ومن فوائد الآية: تواضع المؤمنين، حيث قالوا: { سمعنا وأطعنا }، ثم سألوا المغفرة خشية التقصير.
14 - ومنها: إثبات أن المصير إلى الله عز وجل في كل شيء؛ لقوله تعالى: { وإليك المصير }؛ وقد سبق في التفسير أن المراد بذلك المصير إلى الله في الآخرة، والمصير إلى الله في الدنيا أيضاً؛ فهو الذي يحكم بين الناس في الدنيا والآخرة - كما قال تعالى: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} [الشورى: 10] : هذا في الدنيا؛ والآخرة: كما قال تعالى: {لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم} [الممتحنة: 3] ، وقال تعالى: {فالله يحكم بينكم يوم القيامة} [النساء: 141] .

القرآن
)لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) (البقرة:286)
التفسير:
هذه الآية، والتي قبلها وردت فيها نصوص تدل على الفضل العظيم؛ منها:
1 - أنها من كنز تحت العرش(1).
2 - أنها فتحت لها أبواب السماء عند نزولها(2).
3 - أنها لم يعطها أحد من الأنبياء قبل رسول الله (عليه السلام)(3).
4 - أن من قرأهما في ليلة كفتاه(4).
{ 286 } قوله تعالى: { لا يكلف الله }؛ «التكليف» الإلزام بما فيه مشقة؛ يعني لا يلزم الله؛ { نفساً إلا وسعها} أي إلا طاقتها؛ فلا يلزمها أكثر من الطاقة.
قوله تعالى: { لها ما كسبت } أي ما عملت من خير لا ينقص منه شيء؛ { وعليها ما اكتسبت } أي ما اقترفت من إثم لا يحمله عنها أحد؛ و «الكسب» ، و «الاكتساب» بمعنًى واحد؛ وقيل بينهما فرق؛ وهو أن «الكسب» في الخير، وطرقه أكثر؛ و «الاكتساب» في الشر، وطرقه أضيق - والله أعلم.

قوله تعالى: { ربنا لا تؤاخذنا }: هذه الجملة مقول لقول محذوف - أي «قولوا ربنا»؛ أو: «قالوا ربنا» عوداً على {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون} - أي: و {قالوا سمعنا وأطعنا} ، وقالوا: { ربنا لا تؤاخذنا.. }؛ و{ ربنا } منادى حذفت منه «يا» النداء اختصاراً، وتيمناً بالبداءة باسم الله عز وجل؛ و{ لا تؤاخذنا } أي لا تعاقبنا بما أخطأنا فيه.
قوله تعالى: { إن نسينا أو أخطأنا }: «النسيان» هو ذهول القلب عن معلوم؛ يكون الإنسان يعلم الشيء، ثم يغيب عنه؛ ويسمى هذا نسياناً، كما لو سألتك: ماذا صنعت بالأمس؟ تقول: «نسيت»؛ فأنت فاعل؛ ولكن غاب عنك فعله؛ و «الخطأ» : المخالفة بلا قصد للمخالفة؛ فيشمل ذلك الجهل؛ فإن الجاهل إذا ارتكب ما نهي عنه فإنه قد ارتكب المخالفة بغير قصد للمخالفة.
قوله تعالى: { ربنا ولا تحمل علينا إصراً }: أتى بالواو ليفيد أن هذه الجملة معطوفة على التي قبلها؛ وكرر النداء تبركاً بهذا الاسم الكريم، وتعطفاً على الله سبحانه وتعالى؛ لأن هذا من أسباب إجابة الدعاء؛ و «الإصر» هو الشيء الثقيل الذي يثقل على الإنسان من التكاليف، أو العقوبات.
قوله تعالى: { كما حملته على الذين من قبلنا } أي اليهود، والنصارى، وغيرهم.
قوله تعالى: { ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } أي لا قدرة لنا على تحمله من الأمور الشرعية، والكونية.
قوله تعالى: { واعف عنا } أي تجاوز عما قصرنا فيه من الواجبات؛ { واغفر لنا } أي تجاوز عما اقترفناه من السيئات؛ { وارحمنا } أي تفضل علينا بالرحمة حتى لا نقع في فعل محظور، أو في تهاون في مأمور.
قوله تعالى: { أنت مولانا }: الجملة هنا خبرية مكونة من مبتدأ، وخبر كلاهما معرفة؛ وقد قال علماء البلاغة: إن الجملة المكونة من مبتدأ، وخبر كلاهما معرفة تفيد الحصر؛ والمراد: متولي أمورنا.
قوله تعالى: { فانصرنا على القوم الكافرين } الفاء هنا للتفريع؛ يعني فبولايتك الخاصة انصرنا على القوم الكافرين - أي اجعل لنا النصر عليهم؛ وهو عام في كل كافر.
الفوائد:
1 - من فوائد الآية: بيان رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده، حيث لا يكلفهم إلا ما استطاعوه؛ ولو شاء أن يكلفهم ما لم يستطيعوا لفعل.
فإذا قال قائل: كيف يفعل وهم لا يستطيعون؟ وما الفائدة بأن يأمرهم بشيء لا يستطيعونه؟
فالجواب: أن الفائدة أنه لو كلفهم بما لا يستطيعون، وعجزوا عاقبهم على ذلك؛ وهذه قاعدة عظيمة من أصول الشريعة؛ ولها نظائر في القرآن، وكذلك في السنة.
2 - ومن فوائد الآية: إثبات القاعدة المشهورة عند أهل العلم؛ وهي: لا واجب مع العجز؛ ولا محرم مع الضرورة ؛ لكن إن كان الواجب المعجوز عنه له بدل وجب الانتقال إلى بدله؛ فإن لم يكن له بدل سقط؛ وإن عجز عن بدله سقط؛ مثال ذلك: إذا عجز عن الطهارة بالماء سقط عنه وجوب التطهر بالماء؛ لكن ينتقل إلى التيمم؛ فإن عجز سقط التيمم أيضاً - مثال ذلك: شخص محبوس مكبل لا يستطيع أن يتوضأ، ولا أن يتيمم: فإنه يصلي بلا وضوء، ولا تيمم؛ مثال آخر: رجل قتل نفساً معصومة خطأً: فعليه أن يعتق رقبة؛ فإن لم يجد فعليه أن يصوم شهرين متتابعين؛ فإن لم يستطع سقطت الكفارة؛ مثال ثالث: رجل جامع زوجته في نهار رمضان: فعليه أن يعتق رقبة؛ فإن لم يجد فعليه صيام شهرين؛ فإن لم يستطع فعليه إطعام ستين مسكيناً؛ فإن لم يجد فلا شيء عليه.
ومثال سقوط التحريم مع الضرورة: رجل اضطر إلى أكل الميتة بحيث لا يجد ما يسد رمقه سوى هذه الميتة: فإنه يحل له أكلها؛ وهل له أن يشبع؛ أو يقتصر على ما تبْقى به حياته؟
والجواب: إن كان يرجو أن يجد حلالاً عن قرب فيجب أن يقتصر على ما يسد رمقه؛ وإن كان لا يرجو ذلك فله أن يشبع، وأن يتزود منها - وأن يحمل معه منها - خشية أن لا يجد حلالاً عن قرب.
ومعنى الضرورة أنه لا يمكن الاستغناء عن هذا المحرم؛ وأن ضرورته تندفع به - فإن لم تندفع فلا فائدة؛ مثال ذلك: رجل ظن أنه في ضرورة إلى التداوي بمحرم؛ فأراد أن يتناوله: فإنه لا يحل له ذلك لوجوه:
الأول: أن الله حرمه؛ ولا يمكن أن يكون ما حرمه شافياً لعباده، ولا نافعاً لهم.
الثاني: أنه ليس به ضرورة إلى هذا الدواء المحرم؛ لأنه قد يكون الشفاء في غيره، أو يشفى بلا دواء.
الثالث: أننا لا نعلم أن يحصل الشفاء في تناوله؛ فكم من دواء حلال تداوى به المريض ولم ينتفع به؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحبة السوداء: «إنها شفاء من كل داء إلا السام - يعني الموت»(1)؛ فهذه مع كونها شفاءً لا تمنع الموت؛ ولذلك لو اضطر إلى شرب خمر لدفع لقمة غص بها جاز له ذلك، لأن الضرورة محققة، واندفاعها بهذا الشرب محقق.
الخلاصة الآن: أخذنا من هذه الآية الكريمة: { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } قاعدتين متفقاً عليهما؛ وهما:
أ - لا واجب مع العجز .
ب - ولا محرم مع الضرورة .
3 - ومن فوائد الآية: أن الإنسان لا يحمل وزر غيره؛ لقوله تعالى: { وعليها ما اكتسبت }.
إذا قال قائل: ما تقولون في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها، ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء»(1)؟
فالجواب: أن هذا لا يرد؛ لأن الذي فعلها أولاً اقتدى الناس به؛ فكان اقتداؤهم به من آثار فعله؛ ولما كان هو المتسبِّب، وهو الدال على هذا الفعل كان مكتسباً له.
4 - ومنها: يسر الدين الإسلامي؛ لقوله تعالى: { لا يكلف الله نفسها إلا وسعها }.
ويتفرع على هذا أن يختلف الناس فيما يلزمون به؛ فالقادر على القيام في الفريضة يلزمه القيام؛ والعاجز عن القيام يصلي قاعداً؛ والعاجز عن القعود يصلي على جنب؛ وكذلك القادر على الجهاد ببدنه يلزمه الجهاد ببدنه إذا كان الجهاد فرضاً؛ والعاجز لا يلزمه؛ وكذلك القادر على الحج ببدنه وماله يلزمه أداء الحج ببدنه، والعاجز عنه ببدنه عجزاً لا يرجى زواله القادر بماله يلزمه أن ينيب من يحج عنه؛ والعاجز بماله وبدنه لا يلزمه الحج.
5 - ومن فوائد الآية: أن للإنسان طاقة محدودة؛ لقوله تعالى: { إلا وسعها }؛ فالإنسان له طاقة محدودة في كل شيء: في العلم، والفهم، والحفظ، فيكلف بحسب طاقته.
6 - ومنها: أن للإنسان ما كسب دون أن ينقص منه شيء، كما قال تعالى: {ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلماً ولا هضماً} [طه: 112] .
7 - ومنها: أن الأعمال الصالحة كسب؛ وأن الأعمال السيئة غُرْم؛ وذلك مأخوذ من قوله تعالى: { لها }، ومن قوله تعالى: { عليها }؛ فإن «على» ظاهرة في أنها غُرم؛ واللام ظاهرة في أنها كسب.
8 - ومنها: رحمة الله سبحانه وتعالى بالخلق، حيث علمهم دعاءً يدعونه به، واستجاب لهم إياه في قوله تعالى: { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا }.
9 - ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يتوسل في الدعاء بالوصف المناسب، مثل الربوبية - التي بها الخلق، والتدبير؛ ولهذا كان أكثر ال
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
تفسير سورة البقرة .لابن العثيمين . تابع.** وان كنتم على سفر ...
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات متيجة :: منتدى الشريعة الاسلامية :: قسم القران الكريم و تفسيره-
انتقل الى: