منتديات متيجة
يشرفنا نحن ادارة منتدى متيجة ان نرحب بك زائرنا العزيز في المنتدى ونرجوا منك ان تشرفنا بتسجيلك معنا لتفيدة وتستفيد


منتدى متيجة هو منتدى ترفيهي علمي بامتياز هنا تجد كل ما تريده من تطبيقات و سريالات و العاب و فتاوة في الشريعة الاسلامية و تفسير القران و كل ما نستطيع توفيره من كتب علمية .ادبية .انسانية. وعلوم شرعية .بحوث الخ. ويوجد منتدى للفيديو يوتوب ونكت ..الخ وحتى الان
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 تفسير سورة البقرة لابن العثيمين *من ذا الذي يقرض الله ..

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
نائب المدير
الادارة العامة
الادارة العامة
avatar

عدد المساهمات : 2120
نقاط : 7058
السٌّمعَة : 15
تاريخ التسجيل : 06/04/2010

مُساهمةموضوع: تفسير سورة البقرة لابن العثيمين *من ذا الذي يقرض الله ..   الأحد مايو 09, 2010 3:10 pm

بسم الله الرحمن الرحيم
الايه =

)مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (البقرة:245)
التفسير:
{ 245 } قوله تعالى: { فيضاعفه } فيها أربع قراءات؛ الأولى: «يضاعفُه» بمدّ الضاد مع رفع الفاء؛ والثانية؛ بمدّ الضاد مع فتح الفاء؛ والثالثة: «يضَعِّفُه» حذف المد مع تشديد العين، وضم الفاء؛ والرابعة: حذف المد مع تشديد العين، وفتح الفاء؛ ولهذا جاء الرسم صالحاً للقراءات الأربع؛ لأن القرآن أول ما كُتب ليس فيه حركات؛ أما على قراءة فتح الفاء فوجهه أن الفاء السابقة للفعل للسببية؛ والفعل منصوب بـ«أنْ» بعد الفاء السببية؛ لأنه جواب الاستفهام؛ وأما على قراءة الرفع فالفاء السابقة للفعل للاستئناف؛ والفعل مرفوع لتجرده من الناصب والجازم.
قوله تعالى: { من ذا } اسم استفهام؛ أو { من } اسم استفهام، و{ ذا } ملغاة؛ و{ الذي } خبر المبتدأ؛ والمبتدأ { من }؛ وهذا الاستفهام بمعنى التشويق، والحث؛ يعني: أين الذي يقرض الله، فليتقدم.
قوله تعالى: { يقرض الله }؛ «القرض» في اللغة: القطع؛ ومنه: المقراض - وهو المقص قاطع الثياب؛ ومعنى «أقرضت فلاناً» اقتطعت له جزءاً من مالي فأعطيته إياه؛ { يقرض الله } أي يعبده؛ وسميت العبادة قرضاً للمجازاة عليها؛ ويحتمل: أن الله أراد بالإقراض إنفاق المال في سبيله؛ لأنه تعالى لما قال: {قاتلوا في سبيل الله} [آل عمران: 167] - والقتال يكون بالنفس، والمال - قال الله سبحانه وتعالى: { من ذا الذي يقرض الله }؛ وهذا جهاد بالمال.
قوله تعالى: { فيضاعفه له أضعافاً كثيرة }؛ { أضعافاً } مصدر مبين للنوع؛ لأن مطلق الضعف يكون بواحدة؛ لكن إذا قال تعالى: { أضعافاً } صار أكثر من واحد؛ فيكون مصدراً مبيناً للنوع؛ وقد بيّن الله سبحانه وتعالى هذه الأضعاف بقوله تعالى: {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم} [البقرة: 261] .
قوله تعالى: { والله يقبض ويبسط }؛ فيها قراءتان: بالسين؛ وبالصاد؛ و «القبض» هو التضييق؛ وهو ضد البسط؛ و «البسط» هو التوسيع؛ فهو الذي بيده القبض، والبسط؛ ويعم كل شيء؛ فيقبض في الرزق ويبسط؛ وفي العلم؛ وفي العمر؛ وفي كل ما يتعلق في الحياة الدنيا، وفي الحياة الآخرة.
قوله تعالى: { وإليه ترجعون }: تقديم المعمول: «إليه» له فائدتان؛ فائدة لفظية؛ وفائدة معنوية؛ أما الفائدة اللفظية: فهي توافق رؤوس الآيات؛ وأما الفائدة المعنوية: فهي الحصر - فالمرجع كله إلى الله عزّ وجلّ -؛ لا إلى غيره، كما أن المبدأ كله من الله سبحانه وتعالى.
الفوائد:
1 - من فوائد الآية: الحث على الإنفاق في سبيل الله عزّ وجلّ؛ لقوله تعالى: { من ذا الذي }؛ والاستفهام هنا للحث، والتشويق.
2 - ومنها: أن الجزاء على العمل مضمون كضمان القرض لمقرضه.
3 - ومنها: ملاحظة الإخلاص بأن يكون الإنسان منفقاً ماله لله عزّ وجلّ على سبيل الإخلاص، وطيب النفس، والمال الحلال، ولا يتبع إنفاقه منًّا، ولا أذًى؛ لقوله تعالى: { قرضاً حسناً }؛ فالقرض الحسن هو ما وافق الشرع بأن يكون:
أولاً: خالصاً لله؛ فإن كان رياءً وسمعة، فليس قرضاً حسناً؛ لقوله تعالى في الحديث القدسي: «من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه»(1).
ثانياً: من مال حلال؛ فإن كان من مال حرام فليس بقرض حسن؛ لأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً.
ثالثاً: نفسه طيبة به؛ لا متكرهاً، ولا معتقداً أنه غُرْم وضريبة، كما يظن بعض الناس أن الزكاة ضريبة - حتى إن بعض الكُتّاب يعبرون بقولهم: ضريبة الزكاة - والعياذ بالله.
رابعاً: أن يكون في محله؛ بأن يتصدق على فقير، أو مسكين، أو في مصالح عامة؛ أما لو أنفقها فيما يغضب الله فإن ذلك ليس قرضاً حسناً.
خامساً: أن لا يتبع ما أنفق منًّا ولا أذًى؛ فإن أتبعه بذلك بطل ثوابه، لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى} [البقرة: 264] .
4 - ومن فوائد الآية: أن فضل الله وعطاءه واسع؛ وأن جزاءه للمحسن جزاء فضل؛ لقوله تعالى: { فيضاعفه له أضعافاً كثيرة } مع أن أصل توفيقه للعمل الصالح فضل منه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لفقراء الأنصار حين ذكروا له فضل الأغنياء عليهم في الصدقات، والعتق: «ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء»(1)؛ وعلى هذا فيكون لله تعالى في توفيق العبد للعمل الصالح فضلان: فضل سابق على العمل الصالح؛ وفضل لاحق - وهو الثواب عليه أضعافاً مضاعفة -؛ وأما جزؤاه للعصاة فهو دائر بين العدل والفضل؛ إن كانت المعصية كفراً فجزاؤها عدل؛ وإن كانت دون ذلك فجزاؤها دائر بين الفضل، والعدل؛ لقوله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48] .

5 - ومن فوائد الآية: تمام ربوبية الله عزّ وجلّ، وكمالها؛ لقوله تعالى: { والله يقبض ويبسط }.
6 - ومنها: الإشارة إلى أن الإنفاق ليس هو سبب الإقتار، والفقر؛ لأن ذكر هذه الجملة بعد الحث على الإنفاق يشير إلى أن الإنفاق لا يستلزم الإعدام، أو التضييق؛ لأن الأمر بيد الله سبحانه وتعالى؛ وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما نقصت صدقة من مال»(2)؛ وكم من إنسان أمسك، ولم ينفق في سبيل الله، فسلط الله على ماله آفات في نفس المال، كالضياع، والاحتراق، والسرقة، وما أشبه ذلك؛ أو آفات تلحق هذا الرجل ببدنه، أو بأهله يحتاج معها إلى أموال كثيرة؛ وقد يتصدق الإنسان، وينفق، ويوسع الله له في الرزق.
7 - ومن فوائد الآية: إثبات المعاد، والبعث؛ لقوله تعالى: { وإليه ترجعون }.
8 - ومنها: ترهيب المرء من المخالفة، وترغيبه في طاعة الله؛ لقوله تعالى: { وإليه ترجعون }؛ لأن الإنسان إذا علم أنه راجع إلى ربه لا محالة فإنه لا بد أن يكون فاعلاً لما أُمِر به تاركاً لما نُهي عنه؛ لأنه يخاف من هذا الرجوع.
القرآن
)أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلأِ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) (البقرة:246)

التفسير:
{ 246 } قوله تعالى: { ألم تر }: الخطاب هنا إما للرسول (ص)؛ وخطاب زعيم الأمة خطاب له، وللأمة؛ لأنها تبع له؛ وإما أنه خطاب لكل من يتوجه له الخطاب؛ فيكون عاماً في أصل وضعه؛ الفرق بين المعنيين أن الأول عام باعتبار التبعية للمخاطب به أولاً - وهو الرسول صلى الله عليه وسلم؛ والثاني عام باعتبار وضعه - يعني: ألم تر أيها المخاطب؛ و{ تر } : هل المراد تنظر؛ أو تسمع؛ أو تعلم؟ الفعل هنا عدِّي بـ{ إلى }؛ وإذا عدِّي بـ«إلى» تعين أن يكون من رؤية العين؛ ولو عدِّي بنفسه لأمكن أن يكون المراد بالرؤية العلم؛ فإذا كان كذلك فإنه يلزم أن يكون المعنى: ألم تر إلى شأن بني إسرائيل؛ لأن من المعلوم أننا نحن - بل والرسول صلى الله عليه وسلم - لم نشاهده؛ ويمكن أن نقول: إنها عديت بـ{ إلى }؛ وهي بمعنى النظر؛ لأن الإخبار بها جاء من عند الله؛ وما كان من عند الله فهو كالمرئي بالعين؛ بل أشد، وأبلغ.
والاستفهام هنا الظاهر أنه للتشويق - يعني يشوقنا أن ننظر إلى هذه القصة لنعتبر بها -؛ لأن التقرير إنما يكون في أمر كان معلوماً للمخاطب؛ فيُقَرَّر به، كقوله تعالى: {ألم نشرح لك صدرك} [الشرح: 1] ؛ وأما هذا فهو أمر ليس معلوماً للمخاطب إلا بعد أن يخبر به؛ فيكون هنا للتشويق، مثل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة} [الصف: 10] ، وقوله تعالى: {هل أتاك حديث الغاشية} [الغاشية: 1] ، وما أشبهها؛ أما لو كان يخاطب من كان عالماً بها لقلنا: إن الاستفهام للتقرير.
قوله تعالى: { الملأ من بني إسرائيل } أي الأشراف منهم؛ { من بعد موسى }: لما بين قبيلتهم ذكر زمنهم، وأنهم بعد موسى - وهو نبي الله موسى بن عمران (ص) -؛ وهو أفضل أنبياء بني إسرائيل.
قوله تعالى: { إذ قالوا لنبي لهم }؛ «إذ» ظرف مبني على السكون في محل نصب؛ أي حين قالوا لنبي لهم؛ وفي «نبي» قراءتان: بالهمز، وبالياء المشددة؛ وسبق توجيههما؛ ومعنى النبوة.
إذا قال قائل: من هذا النبي؟ قلنا: إن الله سبحانه وتعالى أبهمه؛ ولو كان في معرفة اسمه فائدة لكان الله عزّ وجلّ يبيّن اسمه لنا؛ لكن ليس لنا في ذكر اسمه فائدة؛ المهم أنه نبي من الأنبياء.
قوله تعالى: { ابعث لنا ملكاً } أي مُرْ لنا بملك، أو أقم لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله؛ وكان أمرهم في ذلك الوقت فوضوي ليس عندهم ملك يدبر أمورهم، ويدبر شؤونهم؛ والناس إذا كان ليس لهم ولي أمر صار أمرهم فوضى، كما قيل:
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم .............
ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم القوم إذا سافروا أن يؤمِّروا أحدهم عليهم(1) حتى لا تكون أمورهم فوضى.
قوله تعالى: { نقاتل في سبيل الله }؛ «نقاتل» بالجزم جواباً للأمر «ابعث» ؛ وهذا يدل على عزمهم على القتال إذا بعَث إليهم ملكاً؛ وسبق معنى «في سبيل الله»، وأن رسول الله (ص) فسرها بأحسن تفسير؛ وهو «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا»(2).
فقال لهم نبيهم يريد أن يختبرهم، وينظر عزيمتهم: { هل عسيتم إن كتب عليكم القتال أن لا تقاتلوا }؛ «عسيتم» فيها قراءتان: بفتح السين، وكسرها؛ وهي هنا للتوقع؛ فيكون المعنى: هل يتوقع منكم إن كتب عليكم القتال أن لا تقاتلوا؟
وقوله تعالى: { إن كتب عليكم } جملة شرطية معترضة بين اسم «عسى»، وخبرها؛ فاسم «عسى» الضمير: التاء؛ و{ ألا تقاتلوا } خبرها؛ وجملة { إن كتب عليكم القتال } الشرطية جوابها محذوف؛ وقد نقول: إنها لا تحتاج إلى جواب لعلمه من السياق.
وقوله تعالى: { إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا }، أي إن فرض عليكم القتال ألا تقاتلوا؛ فكان جوابهم أن قالوا: { وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا }.
قوله تعالى: { وما لنا ألا نقاتل }؛ «أن» مصدرية؛ والمعنى: أي مانع لنا يمنعنا من القتال في سبيل الله وقد وجِد مقتضي ذلك؛ وهو قولهم: { وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا }؛ والإنسان إذا أُخرج من داره، وبنيه فلا بد أن يقاتل لتحرير البلاد، وفكّ الأسرى.
وقوله تعالى: { وقد أخرجنا ... } جملة حالية في محل نصب.
قوله تعالى: { فلما كتب عليهم القتال تولوا }: هم طلبوا من نبيهم أن يبعث لهم ملكاً ليقاتلوا في سبيل الله، ولما استثبت نبيهم منهم قالوا: إنا عازمون على ذلك، وثابتون عليه؛ ولكن لما كتب عليهم القتال، وفرض عليهم { تولوا }، فصار ما توقعه نبيهم حقاً أنهم لن يقاتلوا؛ و{ تولوا } أي أعرضوا عن هذا الغرض، ولم يقوموا به.
قوله تعالى: { إلا قليلًا منهم }: «القليل» ما دون الثلث؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «الثلث كثير»(3)؛ وهي منصوبة على الاستثناء.
قوله تعالى: { والله عليم بالظالمين }؛ ومقتضى علمه بهم أن يجازيهم على ظلمهم؛ والظلم هنا ليس لفعل محرم؛ ولكنه لترك واجب؛ لأن ترك الواجب كفعل المحرم؛ فيه ظلم للنفس، ونقص من حقها.
الفوائد:
1 - من فوائد الآية: الحث على النظر، والاعتبار؛ لقوله تعالى: { ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل }.
2 - ومنها: أن في هذه القصة عبراً لهذه الأمة، حيث إن هؤلاء القوم الذين كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلاً منهم.
3 - ومنها: تحذير هذه الأمة عن التولي عن القتال إذا كتب عليهم.
4 - ومنها: أنه لا بد للجيوش من قائد يتولى قيادتها؛ لقولهم: { ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله }.
5 - ومنها: أن مرتبة النبوة أعلى من مرتبة الملك؛ لقولهم: { ابعث لنا ملكاً } يخاطبون النبي؛ فالنبي له السلطة أن يبعث لهم ملكاً يتولى أمورهم ويدبرهم.
6 - ومنها: إذا طلب الإنسان شيئاً من غيره أن يذكر ما يشجعه على إجابة الطلب؛ لقولهم: { نقاتل في سبيل الله }؛ فإن هذا يبعث النبي ويشجعه على أن يبعث لهم الملك.
7 - ومنها: الإشارة إلى الإخلاص لله سبحانه وتعالى؛ لقوله تعالى: { في سبيل الله }.
8 - ومنها: امتحان المخاطَب بما طلب فعله، أو إيجادَه من غيره: هل يقوم بما يجب عليه نحوه، أم لا؛ لقوله تعالى: { هل عسيتم إن كتب القتال ألا تقاتلوا }.
9 - ومنها: أن الإنسان بفطرته يكون مستعداً لقتال من قاتله؛ لقولهم: { وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا }؛ ولهذا تجد الجبان إذا حُصر يأتي بما عنده من الشجاعة، ويكون عنده قوة للمدافعة.
10 - ومنها: أن من مبيحات القتال إخراج الإنسان من بلده، وأهله ليرفع ظلم الظالمين؛ لقولهم: { وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا }؛ لكن لو كان إخراجهم بحق - كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في بني النضير(1) - فلا حق لهم في المقاتلة، أو المطالبة - ولو أسلموا -؛ لأن الله أورث المسلمين أرضهم، وديارهم، وأموالهم؛ والأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين؛ قال الله تعالى: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون} [الأنبياء: 105] .
11 - ومن فوائد الآية: أن الإنسان قد يظن أنه يستطيع الصبر على ترك المحظور، أو القيام بالمأمور؛ فإذا ابتُلي نكص؛ لقوله تعالى: { فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم } مع أنهم كانوا في الأول متشجعين على القتال.
12 - ومنها: الإشارة إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية؛ فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف»(2)، وقوله (ص): «من سمع بالدجال فلينأ عنه؛ فوالله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن، فيتبعه مما يبعث به من الشبهات»(3)؛ ويشبه هذا أن بعض الناس ينذرون النذر وهم يظنون أنهم يوفون به؛ ثم لا يوفون به، كما في قوله تعالى: {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين*فلما أتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون} [التوبة: 7، 76] .
13 - ومن فوائد الآية: أن البلاء موكل بالمنطق؛ لأنه قال لهم: { هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا}؛ فكان ما توقعه نبيهم واقعاً؛ فإنهم لما كتب عليهم القتال تولوا.
14 - ومنها: أن بعض السؤال يكون نكبة على السائل، كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} [المائدة: 101] .
15 - ومنها: وجوب القتال دفاعاً عن النفس؛ لأنهم لما قالوا: { وقد أخرجنا } قال تعالى: { فلما كتب عليهم القتال } أي فرض عليهم؛ ليدافعوا عن أنفسهم، ويحرروا بلادهم من عدوهم؛ وكذلك أبناءهم من السبي.
16 - ومنها: تحذير الظالم من الظلم - أيَّ ظلم كان -؛ لقوله تعالى: { والله عليم بالظالمين }؛ فإن هذه الجملة تفيد الوعيد والتهديد للظالم.
17 - ومنها: تحريم الظلم لوقوع التهديد عليه.
18 - ومنها: أن ترك الواجب من الظلم؛ لقوله تعالى: { تولوا إلا قليلاً منهم والله عليم بالظالمين } أي المتولين الذين فرض عليهم القتال، ولم يقوموا به؛ فدل ذلك على أن الظلم ينقسم إلى قسمين: إما فعل محرم؛ وإما ترك واجب.
)وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (البقرة:247)

التفسير:
{ 247 } قوله تعالى: { وقال لهم نبيهم } بتشديد الياء؛ وفي قراءة: «نبيئهم» بالهمز.
قوله تعالى: { إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً }؛ { طالوت } علَم على المبعوث؛ و{ ملكاً } حال من { طالوت }؛ و «الملِك» هو الذي له التدبير الذي لا ينازَع فيه؛ ولكنه بالنسبة للمخلوق بحسب ما تقتضيه الولاية الشرعية، أو العرفية.
قوله تعالى: { قالوا } أي معترضين على هذا { أنى } بمعنى الاستفهام الإنكاري { يكون له الملك علينا }.
ثم قالوا معززين لاستبعادهم هذا الشيء: { ونحن أحق بالملك منه }؛ كأنهم يرون أن الملِك لا يكون إلا كابراً عن كابر، وأن هذا لم يسبق لأحد من آبائه أنه تولى الملْك بخلافنا نحن؛ فإن الملوك كانوا منا؛ فكيف جاءه الملك؟! أيضاً { ولم يؤت سعة من المال }: فهو فقير؛ وقد يقال: إنه ليس بفقير؛ لكن ليس عنده مال واسع؛ وفرق بين الفقير المعدم، وبين من يجد، ولكن ليس ذا سعة - يعني ليس غنياً ننتفع بماله -، ويدبرنا بماله، ويحصّل الجيوش، والجنود بماله؛ فذكروا علتين؛ إحداهما: من حيث التوسط في مجتمعه؛ والثانية: من حيث المال؛ إذاً فَقَدَ القوة الحسبية، والقوة المالية؛ قالوا: هذا الرجل ليس عنده حسب؛ فليس من أبناء الملوك؛ وليس عنده مال؛ فليس من الأثرياء الذين يُخضعون الناس بأموالهم.


وجملة: { ونحن أحق بالملك منه } في موضع نصب على الحال؛ وتأمل قول نبيهم: { إن الله قد بعث لكم طالوت } حيث عبر باللام الدالة على أنه هذا الملِك بُعث لمصلحتهم؛ وبين قولهم: { أنى يكون له الملك علينا } حيث أومؤوا إلى أن بعثه للسيطرة عليهم.
جواب نبيهم: { قال إن الله اصطفاه عليكم }؛ أي اختاره عليكم؛ وأصلها من: الصفوة؛ فيكون أصل «اصطفاه» اصتفاه - بتاء الافتعال؛ ولكنها قلبت طاءً لعلة تصريفية.
وقوله هنا: { اصطفاه عليكم }؛ وفي الأول قال: { إن الله قد بعث لكم } إشارة إلى أنه تعالى فضَّله عليهم، فاختاره؛ لأنه أفضل منهم؛ فهو مفضل عليهم لما أعطاه الله مما سيُذكر.
قوله تعالى: { وزاده بسطة } أي سعة، كقوله تعالى: {والله يقبض ويبسط} [البقرة: 245] ، وقوله تعالى: {يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} [الرعد: 26] .
قوله تعالى: { في العلم والجسم }؛ المراد بـ { العلم } علم تدبير الملْك؛ فعنده الحنكة، والرأي ما جعله مختاراً عليهم من قبل الله عزّ وجلّ؛ أيضاً زاده بسطة في الجسم؛ وهي القوة، والضخامة، والشجاعة؛ فاجتمع في حقه القوتان: المعنوية - وهي العلم؛ والحسية - وهي أن الله زاده بسطة في الجسم.
قوله تعالى: { والله يؤتي ملكه من يشاء } أي يعطي ملكه من يشاء على حسب ما تقتضيه حكمته، كما قال تعالى: {قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير} [آل عمران: 26] .
قوله تعالى: { والله واسع } أي ذو سعة في جميع صفاته؛ واسع في علمه، وفضله، وكرمه، وقدرته، وقوته، وإحاطته بكل شيء، وجميع صفاته، وأفعاله؛ و{ عليم } أي ذو علم بكل شيء؛ ومنه العلم بمن يستحق أن يكون ملكاً، أو غيرَه من الفضل الذي يؤتيه الله سبحانه وتعالى من يشاء.
الفوائد:
1 - من فوائد الآية: أن نبيهم وافقهم على أن يبعث إليهم ملِكاً ليقاتلوا في سبيل الله؛ فدعا الله عزّ وجلّ، فاستجاب له.
2 - ومنها: كمال تعظيم الأنبياء لله تعالى، وحسن الأدب معه؛ لقول نبيهم: { إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً }؛ ولم يقل: إني بعثت.
3 - ومنها: أن أفعال العباد مخلوقة لله عزّ وجلّ؛ لقوله تعالى: { إن الله قد بعث لكم }.
4 - ومنها: إسناد الفضل إلى أهله؛ لقوله تعالى: { إن الله قد بعث لكم }.
5 - ومنها: أن الله قد يعطي المُلك من لا يترقبه - لكونه غير وجيه، ولا من سلالة الملوك.
6 - ومنها: اختيار الألفاظ التي يكون بها إقناع المخاطَب، وتسليمه للأمر الواقع؛ لقول نبيهم: { إن الله قد بعث لكم }؛ فإنه أبلغ في الإقناع، والتسليم من قوله: إني بعثت لكم.
7 - ومنها: أن المعترض يذكر وجه اعتراضه لمخاطبه؛ لقولهم: { أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال }.
8 - ومنها: أن استفهام هؤلاء القوم يحتمل أن يكون المراد به الاعتراض؛ ويحتمل أن يراد به الاستكشاف، والبحث عن السبب بدون اعتراض: كيف كان ملكاً ونحن أحق بالملك منه، ولم يؤت سعة من المال؟ فإن كان الأول فإن حالهم تقتضي الذم؛ لأنهم كيف يعترضون وهم الذين طلبوا أن يبعث لهم ملكاً!!! وإن كان الثاني فلا اعتراض عليهم، ولا لوم عليهم.

9 - ومنها: أن المجيب يختار ما يكون به الإقناع بادئاً بالأهم فالأهم؛ لقول نبيهم في جوابه: { إن الله اصطفاه عليكم... } إلخ؛ فبدأ بذكر ما لا جدال فيه - وهو اصطفاء الله عليهم -؛ ثم ذكر بقية المؤهلات: وهي أن الله زاده بسطة في العلم، وتدبير الأمة، والحروب، وغير ذلك، وأن الله زاده بسطة في الجسم: ويشمل القوة، والطول...؛ وأن الله عزّ وجلّ هو الذي يؤتي ملكه من يشاء، وفعله هذا لابد وأن يكون مقروناً بالحكمة: فلولا أن الحكمة تقتضي أن يكون طالوت هو الملك ما أعطاه الله عزّ وجلّ الملك؛ وأن الله واسع عليم: فهو ذو الفضل الذي يمده إلى من يشاء من عباده؛ فله أن يتفضل على من يشاء؛ الله أعلم حيث يجعل رسالته؛ والله أعلم أيضاً حيث يجعل ولايته.
10 - ومن فوائد الآية: أن الملك تتوطد أركانه إذا كان للإنسان مزية في حسبه، أو نسبه، أو علمه، أو قوته؛ يؤخذ هذا أولاً من قولهم: { أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال }؛ وثانياً من قوله: { إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم }.
11 - ومنها: بيان أن تقدير الله عزّ وجلّ فوق كل تصور؛ لقوله تعالى: { إن الله اصطفاه عليكم } مع أنهم قَدَحوا فيه من وجهين: أنهم أحق بالملك منه، وأنه فقير؛ فبيّن نبيهم أن الله اصطفاه عليكم بما تقتضيه الحكمة.
12 - ومنها: أنه كلما كان ولي الأمر ذا بسطة في العلم، وتدبير الأمور، والجسم، والقوة كان أقوَم لملكه، وأتم لإمرته؛ لقوله تعالى: { وزاده بسطة في العلم والجسم }.
13 - ومنها: أن ملك بني آدم مُلك لله؛ لقوله تعالى: { والله يؤتي ملكه من يشاء }؛ فهذا المَلِك في مملكته هو في الحقيقة ما مَلَكَ إلا بإذن الله عزّ وجلّ؛ فالمُلْك لله سبحانه وتعالى وحده يؤتيه من يشاء.
14 - ومنها: أن ملكنا لما نملكه ليس ملكاً مطلقاً نتصرف فيه كما نشاء؛ بل هو مقيد بما أذن الله به؛ ولهذا لا نتصرف فيما نملك إلا على حسب ما شرعه الله؛ فلو أراد الإنسان أن يتصرف في ملكه كما يشاء - يتلفه ويحرقه، ويعذبه إذا كان حيواناً - فليس له ذلك؛ لأن ملكه تابع لملك الله سبحانه وتعالى.
15 - ومنها: إثبات المشيئة لله سبحانه وتعالى؛ لقوله تعالى: { من يشاء }؛ ومشيئته تعالى تابعة لحكمته؛ لقوله عزّ وجلّ: {وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليماً حكيماً} [الإنسان: 30] .
16 - ومنها: أن أفعال الله سبحانه وتعالى تقع بمشيئته لا مكره له؛ لأنه المهيمن على كل شيء.
17 - ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله - وهما { واسع }، و{ عليم }، وما تضمناه من وصف، أو حكم.
18 - ومنها: إثبات سعة الله عزّ وجلّ في إحاطته، وصفاته، وأفعاله.
القرآن
)وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (البقرة:248)
التفسير:
{ 248 } قوله تعالى: { وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت }؛ { آية } يعني علامة، كما قال تعالى: {أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل} [الشعراء: 197] يعني علامة تدل على أنه حق.
قوله تعالى: { أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم }؛ { أنْ }، وما دخلت عليه في تأويل مصدر خبر { إنّ}؛ و{ التابوت } شيء من الخشب، أو من العاج يشبه الصندوق؛ ينزل، ويصطحبونه معهم، وفيه السكينة - يعني أنه كالشيء الذي يسكنهم، ويطمئنون إليه -؛ وهذا من آيات الله.

قوله تعالى: { وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون } وهم الأنبياء تركوا العلم، والحكمة؛ لأن الأنبياء لم يورِّثوا درهماً، ولا ديناراً؛ وإنما ورثوا العلم؛ فهذا التابوت كان مفقوداً، وجاء به هذا الملِك الذي بعثه الله لهم، وصار معهم يصطحبونه في غزواتهم فيه السكينة من الله سبحانه وتعالى: أنهم إذا رأوا هذا التابوت سكنت قلوبهم، وانشرحت صدورهم؛ وفيه أيضاً مما ترك آل موسى، وآل هارون - عليهما الصلاة والسلام - من العلم، والحكمة.
وقوله تعالى: { آل موسى وآل هارون }؛ خص موسى، وهارون - عليهما الصلاة والسلام -، لأنهما جاءا برسالة واحدة.
وقوله تعالى: { تحمله الملائكة }: الجملة حال من { التابوت }؛ و{ الملائكة } عالم غيبي خلقوا من نور؛ وسبق الكلام مبسوطاً في أحوالهم(1).
قوله تعالى: { إن في ذلك لآية } بالنصب اسم { إن } مؤخراً؛ والمشار إليه: «التابوت تحمله الملائكة، وفيه سكينة من الله، وبقية مما ترك آل موسى، وآل هارون».
قوله تعالى: { إن كنتم مؤمنين } أي ذوي إيمان.
الفوائد:
1 - من فوائد الآية: رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده، حيث يؤيد الأمور بالآيات لتقوم الحجة؛ لقوله تعالى: { وقال لهم نبيهم إن آية ملكه }؛ ولو شاء الله عزّ وجلّ لفعل ما يفعل بدون آية، وانتقم من المكذبين، والمستكبرين؛ ولكن من رحمته عزّ وجلّ أنه يبعث بالآيات حتى تطمئن القلوب، وحتى تقوم الحجة؛ ولهذا ما من رسول أرسل إلا أوتي ما على مثله يؤمن البشر؛ وحصول الآيات حكمة ظاهرة؛ لأنه لو خرج رجل من بيننا، وقال: أنا رسول الله إليكم: «افعلوا ما آمركم به، واتركوا ما أنهاكم عنه؛ وإلا فإن دماءكم وأموالكم حلال لي»؛ فإنه لا يطاع؛ ولكن من رحمة الله عزّ وجلّ، وحكمته أن جعل للرسل آيات حتى تقوم الحجة، ويستجيب الناس.
2 - ومن فوائد الآية: ما في التابوت من الآيات العظيمة، حيث كان هذا التابوت مشتملاً على ما تركه آل موسى، وآل هارون من العلم، والحكمة من وجه؛ وكان أيضاً سكينة للقوم تسكن إليه نفوسهم، وقلوبهم، ويزدادون قوة في مطالبهم.
3 - ومنها: أن للسكينة تأثيراً على القلوب؛ لقوله تعالى: { فيه سكينة من ربكم }؛ وتأمل كيف أضافه إلى ربوبيته إشارة إلى أن في ذلك عناية خاصة لهؤلاء القوم؛ والسكينة إذا نزلت في القلب اطمأن الإنسان، وارتاح، وانشرح صدره لأوامر الشريعة، وقَبِلها قبولاً تاماً.
4 - ومنها: إثبات الملائكة؛ لقوله تعالى: { تحمله الملائكة }؛ وفي قوله تعالى: { الملائكة } دليل على أن التابوت كبير.
5 - ومنها: أن الآيات إنما ينتفع بها المؤمن؛ لقوله تعالى: { إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين }.
6 - ومنها: تأكيد الشيء بأدوات التأكيد، والتكرار؛ وهنا في هذه الآية اجتمع التكرار، والأدوات؛ فقوله تعالى: { إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت }، ثم قوله تعالى: { إن في ذلك لآية لكم }: فهذا أكد بالتكرار؛ وأكد أيضاً بـ{ إن }، واللام: { إن في ذلك لآية لكم }: فهذا أكد بالأدوات.
7 - ومنها: فضيلة الإيمان، وأن الإيمان أكبر ما يكون تأثيراً في الانتفاع بآيات الله عزّ وجلّ؛ لقوله تعالى: { إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين }.
8 - ومنها: أن الإنسان إذا ازداد إيماناً ازداد فهماً لكتاب الله سبحانه وتعالى، وسنّة رسوله (ص)؛ لأن الشيء إذا علق على وصف فإنه يزداد بزيادة ذلك الوصف، وينقص بنقصانه؛ فكلما تم الإيمان كان انتفاع الإنسان بآيات الله أكثر، وفهمه لها أعظم.
9 - ومنها: أن الملائكة أجسام؛ لقوله تعالى: { تحمله الملائكة }؛ وأما قول من يقول: إنهم عقول فقط؛ أو أنهم أرواح، وليس لهم أجسام فقول ضعيف؛ بل باطل؛ لأن الله تعالى يقول: {جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة} [فاطر: 1] ؛ والنبي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل على خلقته - أو على صورته - التي خلق عليها له ستمائة جناح قد سد الأفق(1).
القرآن
)فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) (البقرة:249)

التفسير:
{ 249 } قوله تعالى: { فلما فصل طالوت بالجنود } أي مشى بهم، وانفصل عن مكانه؛ و «الجنود» جمع «جند»؛ وهم الجيش المقاتلون؛ وكان طالوت رجلاً ذكياً عاقلاً؛ لأن الله زاده بسطة في العلم، والجسم؛ وكان عنده علم بأحوالهم من قبل؛ وأنه لما كُتب عليهم القتال بين لهم أن الله مبتليهم بنهر؛ والنهر هو الماء الجاري الكثير؛ فابتلاهم الله عزّ وجلّ بهذا النهر؛ أولاً: ليعلم من يصبر، ومن لا يصبر؛ لأن الجهاد يحتاج إلى معاناة، وصبر؛ ثانياً: ليعلم من يطيع ممن لا يطيع؛ ولهذا قال لهم الملك طالوت: { إن الله مبتليكم بنهر } أي مختبركم به.
قوله تعالى: { فمن شرب منه } أي كثيراً { فليس مني } أي فإني منه بريء؛ لأنه ليس على منهجي؛ {ومن لم يطعمه } أي لم يشرب منه شيئاً { فإنه مني } أي على طريقي، ومنهجي؛ { إلا من اغترف غرفة بيده } أي شرب قليلاً مغترفاً بيده - لا بيديه -.
قوله تعالى: { فشربوا منه } أي شرباً كثيراً { إلا قليلاً منهم } فلم يشرب كثيراً؛ وقد قيل: إن عددهم ثمانون ألفاً؛ شرب منهم ستة وسبعون ألفاً؛ فالله أعلم.
قوله تعالى: { فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه } أي فلما تعداه طالوت، والذين آمنوا معه؛ ولا يلزم أن يكونوا عبروا من فوقه؛ { قالوا } أي الذين جاوزوه؛ والمراد بعضهم بدليل قوله تعالى: { قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله... } إلخ؛ { لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده } أي لا قدرة لنا؛ و «أل» للعهد الحضوري - أي: هذا اليوم -؛ يعنون به اليوم الذي شاهدوا فيه عدوهم؛ { قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله} أي يوقنون بذلك؛ لأن «الظن» يراد به اليقين أحياناً، كما في قوله تعالى: {واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين * الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم} [البقرة: 45، 46] أي يوقنون به.
قوله تعالى: { كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة }: { كم } للتكثير، أي ما أكثر ما تغلب الفئة القليلة فئة كثيرة.
قوله تعالى: { بإذن الله } أي بقدره؛ { والله مع الصابرين } أي بالنصر، والتأييد.

الفوائد:
1 - من فوائد الآية: أنه ينبغي للقائد أن يتفقد جنوده؛ لقوله تعالى: { فصل طالوت بالجنود } أي مشى بهم، وتدبر أحوالهم، ورتبهم.
2 - ومنها: أنه يجب على القائد أن يمنع من لا يصلح للحرب سواء كان مخذلاً، أو مرجفاً، أو ملحداً؛ لقوله تعالى: { فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده }؛ والفرق بين المخذل، والمرجف، أن المخذِّل هو الذي يخذل الجيش، ويقول: ما أنتم بمنتصرين؛ والمرجف هو الذي يخوف من العدو، فيقول: العدو أكثر عدداً، وأقوى استعداداً... وما أشبه ذلك.
3 - ومنها: أن من الحكمة اختيار الجند؛ ليظهر من هو أهل للقتال، ومن ليس بأهل؛ ويشبه هذا ما يصنع اليوم، ويسمى بالمناورات الحربية؛ فإنها عبارة عن تدريب، واختيار للجند، والسلاح: كيف ينفذون الخطة التي تعلَّموها؛ فيجب أن نختبر قدرة الجند على التحمل، والثبات، والطاعة؛ والأساليب الحربية مأخوذة من هذا؛ ولكنها متطورة حسب الزمان.
4 - ومنها: أن طالوت امتحنهم على ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: من شرب من النهر كثيراً؛ فهذا قد تبرأ منه.
الوجه الثاني: من لم يشرب شيئاً؛ فهذا من طالوت - أي من جنوده المقربين -.
الوجه الثالث: من شرب منه غرفة بيده؛ فهذا لم يتبرأ منه؛ وظاهر الآية أنه مثل الوجه الثاني.
وهذا الابتلاء أولاً ليعلم به من يصبر على المشقة ممن لا يصبر؛ فهو كالترويض والتمرين على الصبر؛ ثانياً: ليعلم به من يمتثل أوامر القائد، ومن لا يمتثل.
5 - ومن فوائد الآية: أن أكثر عباد الله لا ينفذ أمر الله؛ لقوله تعالى: { فشربوا منه إلا قليلاً منهم }؛ وهذا أمر يشهد به الحال. قال الله تعالى: {وقليل من عبادي الشكور} [سبأ: 13] ؛ وقال تعالى: {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله} [الأنعام: 116] ؛ وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن بعث النار من بني آدم تسعُمائة وتسعةٌ وتسعون من الألف(1)؛ فالطائع قليل، والمعاند كثير.
6 - ومنها: جواز إخبار الإنسان بالواقع إذا لم يترتب عليه مفسدة؛ لأنهم قالوا: { لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده }؛ وقد يقال: إن هذا لا تدل عليه الآية؛ وأن فيها دليلاً على أن الجبان في ذُعر دائم، ورعب؛ لقولهم: { لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده }.
7 - ومنها: أن الإيمان موجب للصبر، والتحمل؛ لقوله تعالى: { قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين }.
8 - ومنها: أن الله سبحانه وتعالى يبتلي عباده إما بفوات محبوب؛ أو حصول مكروه؛ ليعلم سبحانه وتعالى صبرهم؛ ولهذا نظائر؛ منها ما قصه سبحانه عن بني إسرائيل حين حرم عليهم صيد الحوت في يوم السبت؛ فكانت الحيتان تأتي يوم السبت شُرَّعاً؛ وفي غير يوم السبت لا يرون شيئاً؛ فصنعوا حيلة؛ وهي أنهم وضعوا شباكاً في يوم الجمعة؛ فإذا جاءت الحيتان يوم السبت دخلت في هذا الشباك، ثم نشبت فيه؛ فإذا كان يوم الأحد استخرجوها منه؛ فكان في ذلك حيلة على محارم الله؛ ولهذا انتقم الله منهم؛ ووقع ذلك أيضاً للصحابة - رضوان الله عليهم - وهم في حال الإحرام: فابتلاهم الله بصيد تناله أيديهم، ورماحهم؛ ولكنهم رضي الله عنهم امتنعوا عن ذلك؛ وهؤلاء - أعني أصحاب طالوت - ابتلاهم الله سبحانه وتعالى بهذا النهر، وكانوا عطاشاً، فقال لهم نبيهم: { فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده }.
9 - ومن فوائد الآية: أن الله عزّ وجلّ عند الابتلاء يرحم الخلق بما يكون فيه بقاء حياتهم؛ لقوله تعالى هنا: { إلا من اغترف غرفة بيده }؛ لأنهم لا بد أن يشربوا للنجاة من الموت.
10 - ومنها: الرد على الجبرية؛ لقوله تعالى: { فمن شرب }، وقوله تعالى: { إلا من اغترف }، حيث أضاف الفعل إليهم.
11 - ومنها: أن القليل من الناس هم الذين يصبرون عند البلوى؛ لقوله تعالى: { فشربوا منه إلا قليلاً منهم}.
12 - ومنها: أن من الناس من يكون مرجفاً، أو مخذِّلاً؛ لقوله تعالى: { لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده }؛ هؤلاء مخذِّلون؛ وفي نفس الوقت أيضاً مرجفون.
13 - ومنها: أن اليقين يحمل الإنسان على الصبر، والتحمل، والأمل، والرجاء؛ لقوله تعالى: { قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين }؛ مع اليقين قالوا هذا القول لغيرهم لما قال أولئك: { لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده }؛ فردوا عليهم.
14 - ومنها: إثبات ملاقاة الله؛ لقوله تعالى: { قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله }، كما قال تعالى: {يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه} [الانشقاق: 6] .
15 - ومنها: أن الظن يأتي في محل اليقين؛ بمعنى أنه يستعمل الظن استعمال اليقين؛ لقوله تعالى: { قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله }.
16 - ومنها: أنه قد تغلب الفئة القليلة فئة كثيرة بإذن الله؛ وهذا قد وقع فيما سبق من الأمم، ووقع في هذه الأمة مثل غزوة «بدر»؛ وقد تُغلَب الفئة الكثيرة، وإن كان الحق معها، كما في غزوة «حنين»؛ لكن لسبب.
17 - ومنها: أن الوقائع، والحوادث لا تكون إلا بإذن الله؛ وهذا يشمل ما كان من فعله تعالى؛ وفعل مخلوقاته؛ لقوله تعالى: { بإذن الله }.
18 - ومنها: إثبات الإذن لله سبحانه وتعالى؛ وهو ينقسم إلى قسمين: إذن كوني؛ وإذن شرعي؛ ففي هذه الآية: إذن كوني؛ وفي قوله تعالى: {قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون} [يونس: 59] : هذا شرعي؛ وفي قوله تعالى: { أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله } [الشورى: 21] هذا شرعي أيضاً.
19 - ومنها : فضيلة الصبر؛ لقوله تعالى: { والله مع الصابرين }.
20 - ومنها: إثبات المعية لله عزّ وجلّ؛ لقوله تعالى: { والله مع الصابرين }؛ فإن قلت: هذه الآية ظاهرها تخصيص معية الله بالصابرين مع أنه في آيات أخرى أثبت معيته لعموم الناس؛ فقال تعالى: {هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم} [الحديد: 4] ؛ هذا عام، وقال تعالى: {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا} [المجادلة: 7] ؛ فالجواب: أن هذه المعية خاصة تقتضي الإثابة، والنصر، والتأييد؛ وتلك معية عامة تقتضي الإحاطة بالخلق علماً، وسمعاً، وبصراً، وسلطاناً، وغير ذلك من معاني ربوبيته؛ والمعية التي أضافها الله إلى نفسه منها ما يقتضي التهديد؛ ومنها ما يقتضي التأييد؛ ومنها ما هو لبيان الإحاطة، والشمول؛ فمثال الذي يقتضي التأييد قوله تعالى: {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} [النحل: 128] ، وقوله تعالى لموسى، وهارون: {إني معكما أسمع وأرى} [طه: 46] ، وقوله تعالى عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {لا تحزن إن الله معنا} [التوبة: 40] ؛ ومثال الذي يقتضي التهديد قوله تعالى: {يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول} [النساء: 108] ؛ ومثال ما يقتضي الإحاطة قوله تعالى: {وهو معكم أينما كنتم} [الحديد: 4] .
فإن قلت: ما الجمع بين إثبات المعية لله عزّ وجلّ، وإثبات العلوّ له؟.
فالجواب: أنه لا تناقض بينهما؛ إذ لا يلزم من كونه معنا أن يكون حالًّا في الأمكنة التي نحن فيها؛ بل هو معنا وهو في السماء، كما نقول: القمر معنا، والقطب معنا، والثريا معنا، وما أشبه ذلك مع أنها في السماء.
21 - ومن فوائد الآية: الترغيب في الصبر؛ لقوله تعالى: { والله مع الصابرين }؛ والصبر ثلاثة أنواع:
الأول: صبر على طاعة الله : بأن يحبس الإنسان نفسه على الطاعة، فيقوم بها من غير ملل، ولا ضجر.
الثاني: الصبر عن محارم الله: بأن يحبس نفسه عما حرم الله عليه من قول، أو عمل.
الثالث: الصبر على أقدار الله المؤلمة: بأن يحبس نفسه عن التسخط على ما يقدره الله من المصائب العامة، والخاصة.
وأعلاها الأول، ثم الثاني، ثم الثالث.
شكرا لكم .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
تفسير سورة البقرة لابن العثيمين *من ذا الذي يقرض الله ..
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات متيجة :: منتدى الشريعة الاسلامية :: قسم القران الكريم و تفسيره-
انتقل الى: