منتديات متيجة
يشرفنا نحن ادارة منتدى متيجة ان نرحب بك زائرنا العزيز في المنتدى ونرجوا منك ان تشرفنا بتسجيلك معنا لتفيدة وتستفيد


منتدى متيجة هو منتدى ترفيهي علمي بامتياز هنا تجد كل ما تريده من تطبيقات و سريالات و العاب و فتاوة في الشريعة الاسلامية و تفسير القران و كل ما نستطيع توفيره من كتب علمية .ادبية .انسانية. وعلوم شرعية .بحوث الخ. ويوجد منتدى للفيديو يوتوب ونكت ..الخ وحتى الان
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 تفسير سورة البقرة لابن العثيمين . تابع. **يسالونك عن الخمر والميسر ...

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
نائب المدير
الادارة العامة
الادارة العامة
avatar

عدد المساهمات : 2120
نقاط : 7058
السٌّمعَة : 15
تاريخ التسجيل : 06/04/2010

مُساهمةموضوع: تفسير سورة البقرة لابن العثيمين . تابع. **يسالونك عن الخمر والميسر ...   الأحد مايو 09, 2010 1:43 pm



القرآن
)يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) (البقرة:219) )فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لاعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (البقرة:220)
التفسير:
{ 219 } قوله تعالى: { يسألونك عن الخمر والميسر } أي يسألك الناس، أو الصحابة رضي الله عنهم، وسبب سؤالهم هو أن الإنسان العاقل إذا رأى ما يترتب على الخمر، والميسر من المضار التي تخالف الفطرة فلا بد أن يكون عنده إشكال في ذلك؛ ولهذا سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن حكمهما - لا عن معناهما -؛ لأن المعنى معلوم.
والسؤال إذا كان بمعنى طلب مال فإنه ينصب مفعولين؛ وإذا كان سؤال استفهام فإنه ينصب المفعول الأول، ويتعدى للثاني بـ«عن» كما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى: {يسألونك عن المحيض} [البقرة: 222] ، وقوله تعالى: {يسألونك عن الساعة} [الأعراف: 187] ؛ وربما يُستغنى عن الثاني بجملة استفهامية، كما في السؤال بعده؛ والفرق بين الصيغتين - تعديه إلى جملة استفهامية، وتعديه إلى المفعول الثاني بحرف الجر - أنه إذا عدّي إلى الثاني بصيغة الاستفهام صارت هذه الصيغة نفس لفظ السائل بعينها؛ وإذا تعدى بـ«عن» فقد تكون هي لفظ السائل بعينه، وقد تكون غير ذلك.
والمراد بالخمر كل ما أسكر على وجه اللذة، والطرب

وقد أنزل الله في الخمر أربع آيات: آية تبيحه - وهي قوله تعالى: {ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً} [النحل: 67] -؛ وآية تعرض بالتحريم - وهي هذه الآية -؛ وآية تمنعه في وقت دون آخر - وهي قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} [النساء: 43] -؛ وآية تمنعه دائماً مطلقاً - وهي آية المائدة التي نزلت في السنة الثامنة من الهجرة -؛ وهي قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ...} [المائدة: 90] الآيات.
وقوله تعالى: { والميسر } المراد به القمار؛ وهو كل كسب عن طريق المخاطرة، والمغالبة؛ وضابطه: أن يكون فيه بين غانم، وغارم.
قوله تعالى: { قل } أي لمن سأل عن الخمر، والميسر؛ { فيهما } خبر مقدم؛ والضمير عائد على الخمر، والميسر؛ { إثم } أي عقوبة؛ أو كان سبباً للعقوبة، كما قال تعالى: { ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ويقال: «فلان آثم» أي مستحق للعقوبة.
وفي قوله تعالى: { كبير } قراءة: { كثير }؛ والفرق بينهما أن الكبر تعود إلى الكيفية؛ والكثرة تعود إلى الكمية؛ والمعنى أن فيهما إثماً كثيراً بحسب ما يتعامل بهما الإنسان؛ والإنسان المبتلى بذلك لا يكاد يقلع عنه؛ وهذا يستلزم تعدد الفعل منه؛ وتعدد الفعل يستلزم كثرة الإثم؛ أيضاً الإثم فيهما كبير - أي عظيم -؛ لأنهما يتضمنان مفاسد كثيرة في العقل، والبدن، والاجتماع، والسلوك؛ وقد ذكر محمد رشيد رضا - رحمه الله - في هذا المكان أضراراً كثيرة جداً؛ من قرأ هذه الأضرار عرف كيف عبر الله عن ذلك بقوله تعالى: { إثم كبير }، أو { إثم كثير }؛ وهاتان القراءتان لا تتنافيان؛ لأنهما جمعتا وصفين مختلفين جهة؛ فيكون الإثم كثيراً باعتبار آحاده؛ كبيراً باعتبار كيفيته.

قوله تعالى: { ومنافع للناس }؛ جمع منفعة؛ وهي من صيغة منتهى الجموع التي تدل على الكثرة؛ ففيهما منافع كثيرة عظيمة؛ فإن قلت: كيف قال الله عزّ وجلّ: { منافع للناس } بهذا الجمع الكثير؟ أليس هذا مما يستلزم أن يُقبل الناس عليهما؛ لأن الإثم ذكره مفرداً - وإن كان قد وصف بالكبر، أو بالكثرة -؛ لكن المنافع ذكرت بالجمع؟
فالجواب: أن يقال: إنه مع كثرة منافعهما فإن إثمهما أكبر، وأعظم؛ لأنه لو كانت منفعة واحدة لم يستغرب كون الإثم أكبر؛ لكن حتى وإن تعددت المنافع، وكثرت فإن الإثم أكبر، وأعظم؛ وتأمل قوله تعالى: { منافع للناس }؛ لأنها منافع مادية بحتة تصلح للناس من حيث هم أناس؛ وليست منافع ذات خير ينتفع بها المؤمنون.
قوله تعالى: { وإثمهما أكبر من نفعهما } يعني: ما يترتب عليهما من العقوبة أكبر من نفعهما؛ لأن العقوبة في الآخرة؛ وأما النفع ففي الدنيا؛ وعذاب الآخرة أشق، وأبقى.
قوله تعالى: { ويسألونك ماذا ينفقون }؛ هذا هو السؤال الثاني في الآية - أي أيّ شيء ينفقونه -؛ وفي إعرابها وجهان؛ الأول: أن { ماذا } مفعول مقدم لـ{ ينفقون }؛ وعلى هذا فلا يحتاج إلى تقدير ضمير المفعول في: { ينفقون }؛ والثاني: أن «ما» اسم استفهام مبتدأ، و «ذا» اسم موصول بمعنى «الذي» خبر؛ وجملة: { ينفقون } صلة الموصول؛ والعائد محذوف؛ والتقدير: ماذا ينفقونه.

قوله تعالى: { قل العفو } فيها قراءتان: النصب، والرفع؛ فالرفع على تقدير «ما» اسمَ استفهام مبتدأ؛ و «ذا» اسمَ موصول خبراً؛ فيكون { العفو } خبراً لمبتدأ محذوف؛ والتقدير: هو العفو؛ وأما النصب فعلى تقدير { ماذا } مفعولاً مقدماً؛ و{ العفو } منصوب بفعل محذوف؛ والتقدير: أنفقوا العفوَ؛ وإنما قلنا: الرفع، والنصب مبني على إعراب الجملة التي قبلها؛ لأن الجواب مبني على السؤال؛ فهنا كلمة: «ما» هذه - الموصولية، أو الاستفهامية - هي التي فُسِّرت بكلمة: { العفو }؛ فإذا كانت تفسيراً لها كان لها حكمها في الإعراب؛ إن نصبت { ماذا } فانصِب { العفو }؛ وإن رفعت { ماذا } فارفع { العفو }.
قوله تعالى: { كذلك يبين الله لكم الآيات }؛ المشار إليه ما سبق من بيان حكم الخمر، والميسر، وبيان ما ينفق؛ أي: مثلَ ذلك البيان يبين الله؛ و «البيان» بمعنى الإظهار؛ يقال: بينته، فتبين - أي ظهر -؛ و{ الآيات } جمع آية؛ وهي العلامة المعينة لمعلومها؛ والمعنى: أن الله يبين لعباده الأحكام الشرعية بياناً واضحاً.
قوله تعالى: { لعلكم تتفكرون }؛ «التفكر» إعمال الفكر للوصول إلى الغاية؛ و «لعل» للتعليل؛ واسمها: الكاف؛ وخبرها: جملة: { تتفكرون }.
{ 220 } قوله تعالى: { في الدنيا والآخرة } متعلق بـ{ تتفكرون } أي في شؤونهما، وأحوالهما.

قوله تعالى: { ويسألونك عن اليتامى } معطوفة بالواو، كأنها أسئلة متتابعة؛ سألوا أولاً عن الخمر، والميسر؛ ثم سألوا ماذا ينفقون؛ وجه الارتباط بين السؤالين واضح جداً؛ لأن في الخمر، والميسر إتلاف المال بدون فائدة؛ وفي الإنفاق بذل المال بفائدة؛ ثم قال تعالى: { ويسألونك عن اليتامى }؛ ووجه ارتباط السؤال الثالث بالسؤالين قبله أن الله عزّ وجلّ لما أنزل قوله تعالى: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً} [النساء: 10] ، وقولَه تعالى: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} [الأنعام: 152] أشكل على الصحابة رضي الله عنهم، فصاروا يجعلون طعامهم على حدة، وطعام اليتامى على حدة؛ ثم ما جعلوه لليتامى إما أن يفسد، ولا يصلح للأكل؛ وإما أن يصلح للأكل، ولكن ليس على الوجه الأكمل؛ فتحرجوا من ذلك، وأشكل عليهم فيما لو خلطوا طعامهم بطعام اليتامى؛ فأجابهم الله عزّ وجلّ بجواب في غاية ما يكون من البلاغة، والاختصار، والوضوح؛ فقال تعالى: { قل إصلاح لهم خير }.
وقوله تعالى: { اليتامى } جمع يتيم؛ وهو الذي مات أبوه ولم يبلغ؛ مشتق من اليتم - وهو الانفراد؛ واليتيم بما أن أباه قد توفي يحتاج إلى عناية، ورعاية أكثر؛ ولهذا جاء في القرآن الكريم الوصاية به كثيراً.
قوله تعالى: { قل إصلاح لهم خير }؛ وكلمة: { إصلاح } تعني أن الإنسان يتبع ما هو أصلح لهم في جميع الشؤون سواء كان ذلك في التربية، أو في المال؛ وسواء كان ذلك بالإيجاب، أو السلب؛ فأيّ شيء يكون إصلاحاً لهم فهو خير؛ وحذف المفضل عليه للعموم، كقوله تعالى: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً والصلح خير} [النساء: 128] ؛ هذه الجملة في شمولها، وعمومها، ووضوحها كالجملة الأولى.

قوله تعالى: { وإن تخالطوهم فإخوانكم }؛ هذه الجملة الثانية مما تتضمنه الجواب؛ لأن الجواب تضمن جملتين؛ إحداهما: { قل إصلاح لهم خير }؛ والثانية: { وإن تخالطوهم فإخوانكم }؛ يعني: وإن خالطتموهم في الأكل، والشرب، وجعلتم طعامهم مع طعامكم فإنهم ليسوا أجانب منكم؛ بل هم إخوانكم في الدين؛ أو في النسب؛ أو فيهما جميعاً - على حسب حال اليتيم -.
قوله تعالى: { والله يعلم المفسد من المصلح }؛ العلم هنا علم معرفة؛ لأنه لم ينصب إلا مفعولاً واحداً؛ وكأنه ضمن «العلم» معنى التميز؛ يعني يعلمه، فيميز بين هذا، وهذا؛ ويجازي كل إنسان بما يستحق؛ لأن التمييز بين هذا، وهذا يقتضي أن يميز بينهما أيضاً في الثواب، والجزاء؛ ويشمل ذلك الإفساد الديني، والدنيوي؛ والإصلاح الديني، والدنيوي؛ ويشمل الذي وقع منه الإفساد، أو الصلاح.
قوله تعالى: { ولو شاء الله لأعنتكم }؛ { لو } شرطية؛ فعل الشرط: { شاء الله }؛ وجواب الشرط: { لأعنتكم }؛ واللام في جواب { لو } غالبة؛ وليست واجبة الوجود؛ ومن حذفها قوله تعالى: {لو نشاء جعلناه أجاجاً} [الواقعة: 70] ؛ وإلا فالأكثر وجود اللام في جوابها.
وقوله تعالى: { لأعنتكم } أي لشق عليكم فيما يشرعه لكم؛ ومن ذلك أن يشق عليكم في أمر اليتامى بأن لا تخالطوهم؛ وأن تقدروا غذاءهم تقديراً بالغاً، حيث لا يزيد عن حاجتهم، ولا ينقص عنها.
قوله تعالى: { إن الله عزيز حكيم } هذه الجملة تعليل لما سبق من قوله تعالى: { ولو شاء الله لأعنتكم كأنه قال: ولو شاء الله لأعنتكم؛ لأن له العزة، والحكم؛ و «العزيز» ، و «الحكيم» اسمان من أسماء الله تقدم معناهما، وأنواعهما.

الفوائد:
1 - من فوائد الآيتين: حرص الصحابة رضي الله عنهم على معرفة أحكام الله سبحانه وتعالى فيما يفعلونه، ويأتونه من مآكل، ومشارب، وغيرها.
2 - ومنها: أن الدين الإسلامي جاء بتحصيل المصالح، ودرء المفاسد.

3 - ومنها: المقارنة في الأمور بين مصالحها، ومفاسدها.
4 - ومنها: ترجيح المصالح على المفاسد، أو المفاسد على المصالح حسب ما يترتب عليها.
5 - ومنها: أنه مهما كثرت المنافع في الخمر والميسر، فإن الإثم أكبر من منافعهما.
6 - ومنها: حرص الصحابة رضي الله عنهم على معرفة ما يُبذل، ويُنفَق؛ لقوله تعالى: { ويسألونك ماذا ينفقون }.
7 - ومنها: أن الأفضل في الإنفاق أن ينفق الإنسان ما يزيد على حاجته.
8 - ومنها: أن دفع الحاجة أفضل من الإنفاق؛ لقوله تعالى: { قل العفو } أي ما زاد على حاجتكم، كما سبق بيانه.
9 - ومنها: أن الله - تبارك وتعالى - قد بين لعباده البيان التام في آياته الكونية، والشرعية.
10 - ومنها: إثبات الحكمة في أفعال الله عزّ وجلّ؛ لقوله تعالى: { لعلكم تتفكرون }.
11 - ومنها: الحث على التفكر في آيات الله؛ لقوله تعالى: { لعلكم تتفكرون }.
12 - ومنها: أن التفكر لا يقتصر على أمور الدنيا؛ بل هو في أمور الدنيا، والآخرة؛ لقوله تعالى: { لعلكم تتفكرون * في الدنيا والآخرة }.
13 - ومنها: سؤال الصحابة رضي الله عنهم عن اليتامى كيف يعاملونهم؛ وهذا السؤال ناتج عن شدة خوف الصحابة رضي الله عنهم فيما يتعلق بأمور اليتامى؛ لأن الله تعالى توعد من يأكلون أموال اليتامى ظلماً، وقال تعالى: { ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن }.
14 - ومنها: مراعاة الإصلاح فيمن ولاه الله على أحد.
15 - ومنها: أن الإنسان إذا راعى ما يرى أنه أصلح، ثم لم يكن ذلك فإنه لا شيء عليه؛ لأن الإنسان إنما يؤاخذ بما يدركه؛ لا بما لا يدركه.
16 - ومنها: فضيلة الإصلاح في الولايات، وغيرها؛ لقوله تعالى: { قل إصلاح لهم خير }؛ فإن المقصود بهذه الجملة الحث على الإصلاح.
17 - ومنها: جواز مخالطة الأيتام في أموالهم؛ لقوله تعالى: { وإن تخالطوهم فإخوانكم }.
18 - ومنها: أنه يجب في المخالطة أن يعاملهم معاملة الإخوان؛ لقوله تعالى: { وإن تخالطوهم فإخوانكم }؛ ففي هذه الجملة الحث، والإغراء على ما فيه الخير لهم، كما يسعى لذلك الأخ لأخيه.
19 - ومنها: إطلاق الأخ على من هو دونه؛ لأن اليتيم دون من كان ولياً عليه؛ وهذه الأخوة أخوة الدين.
20 - ومنها: التحذير من الإفساد؛ لقوله تعالى: { والله يعلم المفسد من المصلح }.
21 - ومنها: عموم علم الله - تبارك وتعالى -، حيث يعلم كل دقيق، وجليل.
22 - ومنها: إثبات المشيئة لله؛ لقوله تعالى: { ولو شاء الله لأعنتكم }؛ وهذه المشيئة لما يفعله الله تعالى، ولما يفعله العباد؛ لقوله تعالى: {لمن شاء منكم أن يستقيم * وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين} [التكوير: 28، 29] ، ولقوله تعالى: {ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد} [البقرة: 253] .
23 - ومنها: أن الدين يسر، ولا حرج فيه، ولا مشقة؛ لقوله تعالى: { ولو شاء الله لأعنتكم }.
24 - ومنها: إثبات هذين الاسمين الكريمين لله عزّ وجلّ؛ وهما «العزيز» ، و «الحكيم» ؛ وإثبات ما دلا عليه من صفة.

القرآن
)وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) (البقرة:221)
التفسير:

{ 221 } قوله تعالى: { ولا تنكحوا المشركات }؛ النكاح في الأصل الضم، والجمع؛ ومنه قول الشاعر:

أيها المنكح الثريا سهيلاً عمرُك اللَّهُ كيف يجتمعان يعني: أيها المريد أن تجمع بين الثريا، وسهيل - وهما نجمان معروفان -؛ الأول في الشمال؛ والثاني في الجنوب؛ فقوله: «كيف يجتمعان» يدل على أن النكاح في الأصل الجمع، والضم؛ وأما في الشرع فهو عقد على مُحَلَّلة لقصد المصالح المترتبة على النكاح من تحصين الفرج، والولادة، والاستمتاع، وغير ذلك.
قوله تعالى: { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن }؛ { تَنكحوا } بفتح التاء؛ أي لا تتزوجوا بهن حتى يؤمنَّ؛ و{ المشركات } جمع مشركة؛ والمشركة، أو المشرك، هو من جعل لله شريكاً فيما يختص به سواء كان ذلك في الربوبية، أو في الألوهية، أو في الأسماء، والصفات؛ فمن اتخذ إلهاً يعبده فهو مشرك - ولو آمن بأن الله خالق للكون -؛ ومن اعتقد أن مع الله خالقاً للكون، أو منفرداً بشيء في الكون، أو معيناً لله تعالى في خلق شيء من الكون فهو مشرك.
وقوله تعالى: { حتى يؤمن } أي يدخلن في دين الله؛ ودخولهن في دين الله يلزم منه التوحيد.
قوله تعالى: { ولأمة مؤمنة } أي امرأة مؤمنة { خير من مشركة ولو أعجبتكم }؛ هذه الجملة تعليل للنهي عن نكاح المشركات مؤكدة بلام الابتداء؛ وقوله تعالى: { خير من مشركة }: أطلق الخيرية ليعم كل ما كان مطلوباً في المرأة؛ { ولو أعجبتكم } أي سرتكم، ونالت إعجابكم في جمالها، وخلقها، ومالها، وحسبها، وغير ذلك من دواعي الإعجاب.
فإن قيل: كيف جاءت الآية بلفظ: { خير من مشركة } مع أن المشركة لا خير فيها؟ فالجواب من أحد وجهين:
الأول: أنه قد يرد اسم التفضيل بين شيئين، ويراد به التفضيل المطلق - وإن لم يكن في جانب المفضل عليه شيء منه -، كما قال تعالى: {أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً وأحسن مقيلًا} [الفرقان: 24] .

الثاني: أن المشركة قد يكون فيها خير حسي من جمال، ونحوه؛ ولذلك قال تعالى: { ولو أعجبتكم }؛ فبين سبحانه وتعالى أن ما قد يعتقده ناكح المشركة من خير فيها فإن نكاح المؤمنة خير منه.
قوله تعالى: { ولا تُنكحوا المشركين } بضم التاء؛ أي لا تزوجوهم؛ { حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم } سبق بيان ذلك عند قوله تعالى: { حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة }.
قوله تعالى: { أولئك يدعون إلى النار } هذه الجملة تعليل لما سبق؛ والمشار إليه فيها أهل الشرك - أي يدعون الناس إلى النار بأقوالهم، وأفعالهم، وأموالهم -؛ حتى إنهم يبنون المدارس، والمستشفيات، ويلاطفون الناس في معاملتهم خداعاً، ومكراً؛ ولكن قد بين الله نتيجة عملهم في قوله تعالى: {إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون} [الأنفال: 36] .
قوله تعالى: { والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه }، أي يدعو الناس إلى الجنة بالحث على الأعمال الصالحات؛ ومغفرة الذنوب بالحث على التوبة، والاستغفار؛ و{ بإذنه } أي إذن الله؛ والإذن على قسمين: إذن كوني - وهو ما يتعلق بالمخلوقات، والتقديرات -؛ وإذن شرعي - وهو ما يتعلق بالتشريعات -؛ فمن الأول قوله تعالى: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} [البقرة: 255] ؛ ومن الثاني قوله تعالى: {ءآلله أذن لكم أم على الله تفترون} [يونس: 59] يعني شرع لكم؛ والظاهر أن الإذن في هذه الآية - والله أعلم - يشمل القسمين؛ لأن دخول الإنسان فيما يكون سبباً للجنة، والمغفرة كوني؛ وما يكون سبباً للجنة، والمغفرة هذا مما شرعه الله.
قوله تعالى: { ويبين آياته للناس } أي يظهرها، و «آيات» جمع آية؛ وهي العلامة القاطعة التي تستلزم العلم بمدلولها، كما قال تعالى: {وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون} [يس: 41] .


قوله تعالى: { لعلهم يتذكرون } أي يتعظون؛ والجملة تعليلية.
الفوائد:
1 - من فوائد الآية: أنه يحرم على المؤمن نكاح المشركات؛ لقوله تعالى: { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن }؛ ويستثنى من ذلك أهل الكتاب من اليهود، والنصارى؛ لقوله تعالى: {اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان } [المائدة: 5] ، فإن هذه الآية: { اليوم أحل لكم الطيبات... } مخصِّصة لآية البقرة؛ و «أل» في قوله تعالى: { اليوم } للعهد الحضوري تفيد أن هذا الحكم ثبت في ذلك اليوم نفسه؛ والآية في سورة المائدة، ونزولها بعد نزول سورة البقرة؛ لكن مع كون ذلك مباحاً فإن الأولى أن لا يتزوج منهن؛ لأنها قد تؤثر على أولاده؛ وربما تؤثر عليه هو أيضاً: إذا أعجب بها لجمالها، أو ذكائها، أو علمها، أو خلقها، وسلبت عقله فربما تجره إلى أن يكفر.
2 - ومن فوائد الآية: أن الحكم يدور مع علته وجوداً، وعدماً؛ لقوله تعالى: { حتى يؤمن }؛ فدل ذلك على أنه متى زال الشرك حل النكاح؛ ومتى وجد الشرك حرم النكاح.
3 - ومنها: أن الزوج وليّ نفسه؛ لقوله تعالى: { ولا تنكحوا المشركات }؛ فوجه الخطاب للزوج.
4 - ومنها: أن المؤمن خير من المشرك؛ ولو كان في المشرك من الأوصاف ما يعجب؛ لقوله تعالى: { ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم }؛ ومثله قوله تعالى: {قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث} [المائدة: 100] ؛ فلا تغتر بالكثرة؛ ولا تغتر بالمهارة؛ ولا بالجودة؛ ولا بالفصاحة؛ ولا بغير ذلك؛ ارجع إلى الأوصاف الشرعية المقصودة شرعاً.
5 - ومنها: تفاضل الناس في أحوالهم، وأنهم ليسوا على حد سواء؛ لقوله تعالى: { ولعبد مؤمن خير من مشرك }.

6 - ومنها: الرد على الذين قالوا: «إن دين الإسلام دين مساواة»؛ لأن التفضيل ينافي المساواة؛ والعجيب أنه لم يأت في الكتاب، ولا في السنة لفظة «المساواة» مثبتاً؛ ولا أن الله أمر بها؛ ولا رغب فيها؛ لأنك إذا قلت بالمساواة استوى الفاسق، والعدل؛ والكافر، والمؤمن؛ والذكر، والأنثى؛ وهذا هو الذي يريده أعداء الإسلام من المسلمين؛ لكن جاء دين الإسلام بكلمة هي خير من كلمة «المساواة»؛ وليس فيها احتمال أبداً، وهي «العدل» ، كما قال الله تعالى: {إن الله يأمر بالعدل} [النحل: 90] ؛ وكلمة «العدل» تعني أن يسوى بين المتماثلين، ويفرق بين المفترقين؛ لأن «العدل» إعطاء كل شيء ما يستحقه؛ والحاصل: أن كلمة «المساواة» أدخلها أعداء الإسلام على المسلمين؛ وأكثر المسلمين - ولا سيما ذوو الثقافة العامة - ليس عندهم تحقيق، ولا تدقيق في الأمور، ولا تمييز بين العبارات؛ ولهذا تجد الواحد يظن هذه الكلمة كلمة نور تحمل على الرؤوس: «الإسلام دين مساواة»! ونقول: لو قلتم: «الإسلام دين العدل» لكان أولى، وأشد مطابقة لواقع الإسلام.

القرآن
)وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) (البقرة:222)
التفسير:
{ 222 } قوله تعالى: { يسألونك } أي الناس، أو المسلمون؛ { عن المحيض }: يحتمل أن تكون مصدراً ميمياً فتكون بمعنى الحيض؛ أو تكون اسم مكان فيكون المراد به مكان الحيض؛ وهو الفَرْج؛ ولكن الأرجح الاحتمال الأول؛ لقوله تعالى: { قل هو أذًى }؛ فإنه لا يحتمل عوده إلى مكان الحيض.
قوله تعالى: { قل هو أذًى }: أي لكل من الزوج، والزوجة، وبيان ذلك عند الأطباء.
قوله تعالى: { فاعتزلوا النساء } أي اجتنبوا؛ والفاء هنا للتفريع، أو للسببية؛ أي فيتفرع على كونه أذًى توجيه الأمر إليكم باعتزال النساء؛ أو: فبسبب كونه أذًى اعتزلوا النساء في المحيض؛ والمقصود بـ{ النساء } هنا الحائضات؛ لقوله تعالى: { في المحيض }؛ والمراد بـ{ المحيض } هنا مكان الحيض - وهو الفرج -؛ فهي ظرف مكان؛ أي لا تجامعوهن في فروجهن؛ لأنه مكان الحيض.
قوله تعالى: { ولا تقربوهن }، أي لا تقربوا جماعهن كما يدل عليه ما قبله.
قوله تعالى: { حتى يطهرن } بسكون الطاء، وتخفيف الهاء - أي حتى يطهرن من المحيض بانقطاعه -؛ وفي قراءة { حتى يطّهرن } بتشديد الطاء، والهاء - أي يتطهرن من المحيض بالاغتسال -، كقوله تعالى: {وإن كنتم جنباً فاطهروا} [المائدة: 6] أي اغتسلوا؛ وعلامة الطهر للمرأة القَصة البيضاء بأن لا تتغير القطنة إذا احتشت بها؛ وهذا هو الغالب في النساء؛ لكن بعض النساء لا ترى ذلك - تعرف الطهر بانقطاع الدم فقط ولا ترى القصة البيضاء.
قوله تعالى: { فإذا تطهرن }: جمهور أهل العلم على أن المراد اغتسلن؛ فإن القرآن يفسر بعضه بعضاً؛ فهي كقوله تعالى: {وإن كنتم جنباً فاطهروا} [المائدة: 6] ، أي اغتسلوا.
قوله تعالى: { فأتوهن من حيث أمركم الله }؛ الفاء رابطة لجواب الشرط؛ وهو قوله تعالى: { فإذا تطهرن }؛ والمراد بالإتيان الجماع - كني بالإتيان عن المجامعة -؛ والأمر هنا للإباحة؛ وقيل إن { مِن } بمعنى «في» أي فأتوهن في المكان الذي أمركم الله بإتيانه؛ وهو الفرج؛ وقيل: إن { مِن } للابتداء؛ فهي على بابها؛ أي فأتوهن من هذه الطريق من حيث أمركم الله؛ وهو أن تطؤوهن في الفروج؛ لقوله تعالى في الآية بعدها: {نساؤكم حرث لكم} [البقرة: 223] ؛ والحرث هو موضع الزرع؛ وموضع الزرع هو القبل؛ فيكون معنى قوله تعالى: { فأتوهن من حيث أمركم الله } أي من قُبُلهن؛ وليس من الدبر.

وقوله تعالى: { إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين }؛ هذا تعليل لما سبق من الأوامر؛ وهي اعتزال النساء في المحيض، وإتيانهن من حيث أمر الله بعد التطهر.
وقوله تعالى: { يحب التوابين ويحب المتطهرين }: المحبة معروفة؛ و{ التوابين } صيغة مبالغة تفيد الكثرة؛ فالتوابون كثيرو التوبة؛ و«التوبة» هي الرجوع من معصية الله إلى طاعته؛ و{ المتطهرين } أي الذين يتطهرون من الأحداث، والأخباث؛ وجمع بين ذلك، وبين التوبة؛ لأن «التوبة» تطهير الباطن؛ و «التطهر» تطهير الظاهر.

الفوائد:
1 - من فوائد الآية: تتابع أسئلة الصحابة رضي الله عنهم على رسول الله (ص).
2 - ومنها: حرص الصحابة على العلم، حيث يسألون رسول الله (ص) عن مثل هذه الأمور.
3 - ومنها: أنه لا ينبغي أن يستحيي الإنسان من سؤال العلم؛ لقوله تعالى: { ويسألونك عن المحيض }.
4 - ومنها: أن الله عزّ وجلّ قد يتولى الإجابة فيما سئل عنه رسول الله (ص)، حيث قال تعالى: { قل هو أذًى }.
5 - ومنها: أن المحيض - وهو الحيض - أذًى؛ لأنه قذر، ونجس؛ ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بغسله قليله، وكثيره؛ فقد كان النساء يصيب ثيابهن الحيض، فيسألن النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فيأمرهن بحته، ثم قرصه بالماء، ثم نضحه(1) - أي غسله -.
6 - ومنها: تعليل الأحكام الشرعية؛ لقوله تعالى: { هو أذًى فاعتزلوا }.
ويتفرع على هذه الفائدة: إثبات الحكمة فيما شرعه الله عزّ وجلّ؛ لكن من الحكمة ما هو معلوم للخلق؛ ومنها ما ليس بمعلوم؛ لكننا نعلم أن جميع أحكام الله الشرعية والقدرية مقرونة بالحكمة.
7 - ومن فوائد الآية: تقديم علة الحكم عليه حتى تتهيأ النفوس لقبول الحكم، والطمأنينة إليه؛ ويكون قبوله فطرياً؛ لقوله تعالى: { قل هو أذًى فاعتزلوا النساء في المحيض }؛ وقد يتقدم الحكم على العلة - وهو الأكثر كما في قوله تعالى: {قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس} [الأنعام: 145] ، وكما في الحديث الصحيح: «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى رجلان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس من أجل أن ذلك يحزنه»(2).
8 - ومن فوائد الآية: وجوب اعتزال المرأة حال الحيض؛ لقوله تعالى: { فاعتزلوا النساء في المحيض }؛ وقد بينت السنة ماذا يعتزل منهن - وهو الجماع -؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح»(3).
9 - ومنها: منة الله على الرجل والمرأة في اعتزالها حال الحيض؛ لأنه أذًى مضر بالمرأة، ومضر بالرجل.
10 - ومنها: تحريم الوطء بعد الطهر قبل الغسل؛ لقوله تعالى: { فإذا تطهرن فأتوهن }.
11 - ومنها: وجوب جماع الزوجة بعد طهرها من الحيض؛ لقوله تعالى: { فأتوهن }؛ وقد قال به بعض أهل العلم؛ ولكن هذا القول ضعيف جداً؛ والصواب أن الأمر فيه لرفع الحظر؛ لأنه ورد بعد النهي؛ ويبقى الحكم على ما كان عليه قبل النهي.
12 - ومنها: أنه لا يجوز للإنسان أن يتعدى حدود الله لا زماناً ولا مكاناً فيما أباحه الله من إتيان أهله؛ لقوله تعالى: { فأتوهن من حيث أمركم الله }.
13 - ومنها: جواز وطء المرأة في فرجها من ورائها؛ لقوله تعالى: { فأتوهن من حيث أمركم الله }؛ ولم يحدد الجهة التي تؤتى منها المرأة.
14 - ومنها: أنه لا يباح وطؤها في الدبر؛ لقوله تعالى: { فأتوهن من حيث أمركم الله }، ولقوله تعالى في المحيض: { قل هو أذًى فاعتزلوا النساء في المحيض }؛ ومن المعلوم أن أذى الغائط أقبح من أذى دم الحيض؛ وهذا - أعني تحريم وطء الدبر - قد أجمع عليه الأئمة الأربعة؛ ولم يصح عن أحد من السلف جوازه؛ وما روي عن بعضهم مما ظاهره الجواز فمراده إتيانها من الدبر في الفرج.
15 - ومنها: إثبات محبة الله عزّ وجلّ؛ لقوله تعالى: { إن الله يحب التوابين }؛ والمحبة صفة حقيقية لله عزّ وجلّ على الوجه اللائق به؛ وهكذا جميع ما وصف الله به نفسه من المحبة، والرضا، والكراهة، والغضب والسخط، وغيرها؛ كلها ثابتة لله على وجه الحقيقة من غير تكييف ولا تمثيل.
16 - ومنها: أن محبة الله من صفاته الفعلية - لا الذاتية -؛ لأنها علقت بالتوبة؛ والتوبة من فعل العبد تتجدد؛ فكذلك محبة الله عزّ وجلّ تتعلق بأسبابها؛ وكل صفة من صفات الله تتعلق بأسبابها فهي من الصفات الفعلية.
17 - ومنها: فضيلة التوبة، وأنها أمر مطلوب، وأنها من أسباب محبة الله للعبد؛ لقوله تعالى: { إن الله يحب التوابين }.
18 - ومنها: محبة الله تعالى للمتطهرين؛ لقوله تعالى: { ويحب المتطهرين }.
19 - ومنها: حسن أسلوب القرآن؛ لأنه جمع في هذه الآية بين التطهر المعنوي الباطني، والتطهر الحسي الظاهري؛ لقوله تعالى: { يحب التوابين } - وهي طهارة باطنة -؛ وقوله تعالى: { ويحب المتطهرين } - وهي طهارة ظاهرة -.

القرآن
)نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) (البقرة:223)
التفسير:
223 } قوله تعالى: { نساؤكم حرث لكم } يعني زوجاتكم موضع حرث لكم، كما تكون الأرض حرثاً للزارع يبث فيها الحب؛ فيخرج الحب، وينمو، ويُنتفع به؛ كذلك النساء بالنسبة للرجال حرث يضع فيها الإنسان هذا الماء الدافق، فينزرع في الرحم حتى ينمو، ويخرج بشراً سوياً.
قوله تعالى: { فأتوا حرثكم }: الفاء للسببية، أو للتفريع؛ والمراد بـ «الحرث» هنا موضع الحرث - وهو الفرج -.
قوله تعالى: { أنى شئتم } أي من حيث شئتم؛ فـ{ أنى } ظرف مكان؛ والمعنى: ائتوا هذا الحرث من أي جهة شئتم؛ من جهة القبل - يعني الأمام -؛ أو من جهة الخلف؛ أو على جنب؛ المهم أن يكون الإتيان في الحرث؛ وقد زعمت اليهود أن الرجل إذا أتى امرأته من دبرها في قبلها صار الولد أحول؛ وكذبوا في ذلك؛ وقد أنزل الله تكذيبهم في هذه الآية: { نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم }.
قوله تعالى: { وقدموا لأنفسكم } يعني الطاعات، وما ينفعنا عند الله عزّ وجلّ؛ وإنما قال ذلك بعد ذكر إتيان النساء حتى لا ننشغل بهؤلاء النساء عن تقديم ما ينفعنا يوم القيامة؛ ومن التقديم للنفس أن يبتغي الإنسان بإتيان أهله تحصين فرجه، وتحصين فرج امرأته؛ وطلب الولد الصالح، وما أشبه ذلك مما يقارن الجماع من الأعمال الصالحة بالنية.
قوله تعالى: { واتقوا الله }: لما أمرنا بالتقديم لأنفسنا بالأعمال الصالحة أمرنا بالتقوى - وهي فعل أوامره -، واجتناب نواهيه.
قوله تعالى: { واعلموا أنكم ملاقوه } أي في يوم القيامة؛ لقوله تعالى: {يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه * فأما من أوتي كتابه بيمينه...} [الانشقاق: 6، 7] الآيات.
قوله تعالى: { وبشر المؤمنين } أي أخبرهم بما يسرهم؛ و «المؤمن» هنا يتضمن المسلم؛ وعلى هذا فلا بد مع الإيمان من عمل صالح.
الفوائد:
1 - من فوائد الآية: أن النساء حرث للرجال؛ بمعنى موضع زراعة.

2 - ومنها: أن الرجل حرٌّ في الحرث: إن شاء فعل؛ وإن شاء لم يفعل؛ لكن عليه أن يعاشر زوجته بالمعروف في كل ما يعاملها به؛ لقوله تعالى: {وعاشروهن بالمعروف} [النساء: 19] ، وقوله تعالى: {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم} [البقرة: 228] .
3 - ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يحاول كثرة النسل؛ لقوله تعالى: { حرث لكم }؛ وإذا كانت حرثاً فهل الإنسان عندما يحرث أرضاً يقلل من الزرع، أو يكثر من الزرع؟
فالجواب: الإنسان عندما يحرث أرضاً يكثر من الزرع؛ ويؤيد هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «تزوجوا الودود الولود»(1)؛ وأما القول بتحديد النسل فهذا لا شك أنه من دسائس أعداء المسلمين يريدون من المسلمين ألا يكثروا؛ لأنهم إذا كثروا أرعبوهم، واستغنوا بأنفسهم عنهم: حرثوا الأرض، وشغَّلوا التجارة، وحصل بذلك ارتفاع للاقتصاد، وغير ذلك من المصالح؛ فإذا بقوا مستحسرين قليلين صاروا أذلة، وصاروا محتاجين لغيرهم في كل شيء؛ ثم هل الأمر بيد الإنسان في بقاء النسل الذي حدده؟! فقد يموت هؤلاء المحدَّدون؛ فلا يبقى للإنسان نسل.
4 - ومن فوائد الآية: جواز إتيان المرأة في محل الحرث من أيّ جهة؛ قوله تعالى: { فأتوا حرثكم أنى شئتم}.
5 - ومنها: مشروعية أن ينوي الإنسان بجماعه الولد؛ لقوله تعالى: { فأتوا حرثكم }؛ فجعل الإتيان للحرث؛ فكأنه أشار إلى أنه ينبغي للإنسان أن يأتي المرأة من أجل طلب الولد؛ وقد ذكروا عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه أنه ما جامع إلا بقصد الولد؛ وعلى كل حال الناس مختلفون في هذا؛ ولا مانع من أن الإنسان يريد بذلك الولد، ويريد بذلك قضاء الوطر.
6 - ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يحافظ على هذه المرأة التي أضيفت له، وسميت حرثاً له كما يحافظ على حرث أرضه.
7 - ومنها: أنه يشرع للمرء أن يقدم لنفسه عند الجماع؛ لقوله تعالى: { وقدموا لأنفسكم }؛ وسبق معنى قوله تعالى: { وقدموا لأنفسكم }.
8 - ومنها: وجوب تقوى الله؛ لقوله تعالى: { واتقوا الله }.
9 - ومنها: وجوب معاملة الأهل حسب ما شرع الله؛ لأن ذلك من تقوى الله؛ ولقوله تعالى: { من حيث أمركم الله }.
10 - ومنها: إثبات البعث؛ لقوله تعالى: { واعلموا أنكم ملاقوه }.
11 - ومنها: إثبات رؤية الله؛ لقوله تعالى: { ملاقوه }؛ والملاقاة في الأصل المقابلة مع عدم الحاجب.
12 - ومنها: تهديد الإنسان من المخالفة؛ لأنه لما أمر بالتقوى قال تعالى: { واعلموا أنكم ملاقوه }.
13 - ومنها: أن من البلاغة إذا أخبرت إنساناً بأمر هام أن تقدم بين يدي الخبر ما يقتضي انتباهه؛ لقوله تعالى: { واعلموا }؛ وهذا مما يزيد الإنسان انتباهاً وتحسباً لهذه الملاقاة.
14 - ومنها: أن المؤمنين ناجون عند ملاقاة الله؛ لقوله تعالى: { وبشر المؤمنين }.
15 - ومنها: أن البشارة للمؤمنين مطلقة، حيث قال تعالى: { وبشر المؤمنين }.
16 - ومنها: أن البشارة للمؤمنين في الدنيا، وفي الآخرة؛ ووجهه: عدم التقييد؛ وقد قال الله سبحانه وتعالى في آية أخرى: {لهم البشرى في الحياة وفي الآخرة} [يونس: 64] ؛ وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عنها فقال: «الرؤيا الصالحة يراها المسلم، أو ترى له»(2).
17 - ومنها: تحذير غير المؤمنين من هذه الملاقاة؛ لقوله تعالى: { وبشر المؤمنين }؛ فدل ذلك على أن غير المؤمنين لا بشرى لهم.
18 - ومنها: فضيلة الإيمان؛ لأن الله علق البشارة عليه؛ فقال تعالى: { وبشر المؤمنين }.

شكرا لكم .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
تفسير سورة البقرة لابن العثيمين . تابع. **يسالونك عن الخمر والميسر ...
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات متيجة :: منتدى الشريعة الاسلامية :: قسم القران الكريم و تفسيره-
انتقل الى: