منتديات متيجة
يشرفنا نحن ادارة منتدى متيجة ان نرحب بك زائرنا العزيز في المنتدى ونرجوا منك ان تشرفنا بتسجيلك معنا لتفيدة وتستفيد


منتدى متيجة هو منتدى ترفيهي علمي بامتياز هنا تجد كل ما تريده من تطبيقات و سريالات و العاب و فتاوة في الشريعة الاسلامية و تفسير القران و كل ما نستطيع توفيره من كتب علمية .ادبية .انسانية. وعلوم شرعية .بحوث الخ. ويوجد منتدى للفيديو يوتوب ونكت ..الخ وحتى الان
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 بنية المنهج النقدي عند طه حسين بين الاتساق الداخلي و العبثية البنائية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
نائب المدير
الادارة العامة
الادارة العامة
avatar

عدد المساهمات : 2120
نقاط : 7058
السٌّمعَة : 15
تاريخ التسجيل : 06/04/2010

مُساهمةموضوع: بنية المنهج النقدي عند طه حسين بين الاتساق الداخلي و العبثية البنائية   الأحد يونيو 27, 2010 2:08 pm


بنية المنهج النقدي عند طه حسين بين الاتساق الداخلي و العبثية البنائية
-1-

ليس عيباً، أن تتعدد منا هج البحث النقدي عند نقاد الأدب ، إذن أن لكل نص أبداعي حالته وطبيعته ، ومن حق الناقد أن يتعامل معه على وفق أي منهج يختاره، ولكن العيب ، أن تتعدد المناهج وتتداخل في متن أو خطاب نقدي بعينه (1)
وهناك من دافع عن هذا التعدد والتداخل في المناهج ، ولم ير في ذلك عيباً وعدٌ (( معظم الكتابات النقدية مزيجاً من واحد أو أكثر من الأنواع النقدية)) (2)
ويرى النقاد (( من أي تناقض منطقي إن هم جمعوا في البحث النقدي الواحد بين أنواع النقد جميعاً))(3)

غير اننا نرى أن مثل هذا الخليط المنهجي ، سيبدو على الأرجح شاذاً غير مترابط وأن معظم النقاد على الرغم من أنهم يستخدمون عدداً من المناهج ، فأنهم يفضلون عادة نوعاً بعينه منها.
ومع ذلك فان الناقد الجيدٌ ، يكيٌف أساليبه ومعايير القيمة لديه تبعاً للعمل الأدبي الذي يدرسه ، ومن تم فانه يستخدم في الحالات المختلفة أنواعاً مختلفة من النقد ، كما انه يضع في اعتباره الجمهور الذي يكتب له، ومستوى ذوقه، ومدى تعوده على عمل له هذا الأسلوب أو النمط.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1-ينظر جيروم ستولينتز، النقد الفني ( دراسة جمالية وفلسفية ) ترجمة د. فؤاد زكريا ، منشورات الهيئة المصرية للكتاب، الطبعة الثانية ، القاهرة 1981 ، صـ742ــ
2-جيروم ستولنيتز ، نفسه ، صــ742ــ
3-جيروم ستولنيتز ، نفسه



ولو تأملنا البنى المكونه لمنهج طه حسين النقدي، وما تتصف به من انتقاء وتوفيق بين مناهج متعددة ، لتبادر إلى ذهننا سؤال جوهري هو: ما مدى تجانس هذه البنية واتساقها الداخلي؟ وهل ينطوي هذا المنهج على بنية واحدة ، أم ينطوي على أبنية متعددة أم ينطوي على فوضي بنائية ؟
يجيب الدكتور/ جابر عصفور (( أن طه حسين ، ينطوي على نوع من البناء ،له وحدته المتميزة وصيغته الكونية الخاصة)) (4)

ويعلل هذه الإجابة تعليلاً لا يخلو من صواب فيقول (( إن هذا التناقض وهذه الفوضى البنائية لا تطفو على السطح ، إلا إذا نظرنا إلى نقد طه حسين من منظور التعاقب فحسب ، وإلا إذا ركزنا على ما نسميه بالتباين الكيفي من خلال تتابع كتاباته النقدية ، ولكن لو ضممنا إلى منظور التعاقب الأفقي ، منظور التزامن الرأسي ( العمودي ) وركزنا على عناصر الثبات التي تكمن وراء التغير وعوامل الاتفاق النوعي التي تقابل التباين الكيفي ، أدركنا أن نقد طه حسين ينطوي على نوع من البناء )) (5)

ولما كان منهج طه حسين النقدي قائم على صيغ توفيقية باعتراف الدكتور / عصفور نفسه ، فلابد أن تتحاوره عناصر متباينة أو متنافرة أو متعارضة مهما حاول صاحبه أن يحسن عملية الانتقاء ويحث نوعاً من التجاوب بين هذه العناصر 00 ولكن الدكتور/ عصفور يرد على من يتبنى مأخذا كهذا (( بأن الانتقاء عملية اختيار لا تتم بالمصادفة ، بل تخضع - مهما استرسلت أو أُرسلت – إلى أسس تحتية قارة ، توجه حركة الاختيار ، وتحدد مجاله ومعطياته مثلما تحدد المقبول أو المرفوض ، والتوفيق عملية تصالح بين العناصر المنتقاة لتجاور بينها، على نحو ينفي التناقض الظاهري على الأقل ، وبقدر ما يدخل التوفيق عناصر متباينة – أو متنافرة أو متعارضة - إلى الفكر النقدي، يعمل التوفيق على إحداث لون من التجاوب بين هذه العناصر ، فتتحول عملية التوفيق إلى عملية صياغة للانتقاء ، بنفس القدر الذي ينطوي فيه الانتقاء على عملية توفيق ) (6)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
4-د. جابر عصفور ، المرايا المتجاورة ، صــ13ــ
5-د. جابر عصفور ، نفسه ، صــ13ــ
6-د. جابر عصفور ، المرايا المتجاورة ، صـــ13


إن هذه المواءمة وهذا التوفيق بين المناهج ، يضعنا وجهاً لوجه أمام إحساس طه حسين بضيق هذه المناهج فيما إذا اقتصر الناقد على منهج بعينه دون سائر هذه المناهج ، لذا جرٌب طه حسين الناقد كل منهج ممكن في التعامل مع الأدب العربي القديم أو الحديث ، وحاول الإفادة من كل تصور نظري أو إجراء تطبيقي ، يعينه على تأصيل الدراسة الأدبية ، لذا فليس مصادفة إذا رأينا ينتقل بين المناهج والنظريات وبين التصورات والإجراءات مثلما يتنقل المسافر بين العربات والمحطات في رحلة طويلة شاقة، لا يعنيه من الانتقال والتغيير سوى بلوغ محطة الوصول وهي تحقيق التنوير وتأسيس النهضة الأدبية والنقدية )) (7) غير أن هذا المنهج في تقديري يمكن الثناء عليه ، رغم تعدد أبنيته في الظاهر – لأنه يهدى من سورة الخلاف بين المناهج المنحازة إلى جانب واحد والتي يتمسك كل منها بموافقة دون أن يتزحزح عنه .

وطه حسين يعترف بالحقيقة الكافية في كل من هذه المناهج والنظريات ولكنه يكشف لنا عن حقيقة أوسع مما يكشف عنه أي منهج في هذه المناهج بمفردة وهي إيضاحه أن العمل الأدبي يمكن أن يشتمل على الموضوع والشكل والتعبير وان لكل من هذه أهميته.
ولو تساءلنا – كما تساءل طه حسين – ما الذي ينبغي أن نبحث عنه في العمل الإبداعي ، لأجاب منهج طه حسين النقدي : ينبغي أن نبحث عن كل ما فيه .
وهذه ليست بالإجابة الهينة ، فهي تعبر عن الشمول الكامن في عدم الاقتناع بمنج بعينه مهما كان هذا المنهج مرناً، وتحذرنا من التضحية بأية قيمة تنطوي عليها التجربة النقدية .

ولما كان هذا المنهج شاملاً على هذا النحو ، ومحققاً لاتساقه الداخلي الذي تم إيضاحه ، فإنه يصلح أساساً سليماً للنقد الأدبي ، إذ انه يعطينا أدوات عديدة ومتنوعة لتحليل العمل الأدبي ويتيح لمن يطبقه تطبيقاً نافذاً .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
7-طه حسين ، حديث الأربعاء ، ج 2 ، صــ53ــ



أن يستوعب كل ما يجده بالفعل في العمل الإبداعي المحدد ، ذلك أن كل منهج على انفراد ، يذهب به أصحابه لان يجعلوا منه علماً ذا قواعد وأصول ، وهذا التقنيين - وفق النظرة المعاصرة وليس وفق نظرة طه حسين وحده فحسب – يحرم الناقد الكثير من المعارف والخبرة ، لذلك قال طه حسين (( فأنت تنقد الشاعر لتفهم شخصيته أولاً ، ثم جماعته أو عصره أو بيئته أو هذا كله ثانياً ، وهناك شيْ ثالث تقصد إليه حين تقرأ الشعر وتحاول نقده ، وهو اللذة ، اللذة الفنية التي تجدها إذا نظرت إلى شكل جميل أو استحقت إلى قطعة موسيقى ، أو خضعت لمظهر من مظاهر الطبيعة الساحرة ، عقلك وشعورك يعملان إذن حين تقرأ الشعر وحين تنقذه ، لأنك تريد أن تفهم وتريد أن تلتذ )) (Cool
وعلى هذا النحو كانت تطبيقات طه حسين النقدية ، ولكن هل نجح طه حسين في تطبيق منهجه هذا وصولاً إلى تحقيق المهمة التي ندب نفسه لها وهي تحقيق شخصية الأديب والعصر والوصول إلى اللذة الفنية التي يعطيها هذا الأثر الفني ؟
والإجابة عن سؤال كهذا سأتوفر عليها في الفصل الرابع من هذا البحث .
وهنا ينبجس سؤالاً لا يقل أهمية عن السؤال السابق ، وهو هل أخلص طه حسين للمنهج الذي اصطفاء واختاره لنفسه بعد تمحيص وتدقيق و تمثل وهضم ؟
وإجابة عن سؤال كهذا على قدر من الحرج ، بقدر ما فيها من الصعوبة.

فالمنهج الذي لا تتوفر إمكانية صياغته على نحو دقيق 00 أو ذاك الذي لا يولد براحة تامة إن صحٌ التعبير 00 فان صاحبه يظلٌ في توق وتوثر ونزوع نحو منهج مبرأ من العيوب ، وبالتالي لن تراه يعرف طعماً للاستقرار الفكري، وهذا ما كان يحسٌ به طه حسين على الأقل وهو يصوغ منهجه النقدي.
وإذا كانت الموضوعية والنفسية والتماسك والضبط الذاتي، وهي عناصر أساسية في كل منهج ، فان صياغة هذا المنهج وضمان عدم انحرافه ، لأنه معني منذ البدء بممارسة عملية نقد النقد المماثلة على ذاته ، أمر بالغ الضرورة .


ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
8- طه حسين ، حديث الأربعاء _ جـ2،صـ53.

وإذا كانت هاتان الصفتان ( أو الخطتان) : ( المقومات والصيانة) تعنيان ، الموضوعية وانفصال المقروء عن القارئ ، فان اللحظة الثالثة ، وهي لحظة العودة من القارئ إلى المقروء، هي اللحظة التي تعجز الرؤية وتسمح للنقد بان يكون موضوعاً مستقلاً ينافس النص الإبداعي ويتسابق معه ، وبالتالي فأنها تخلصه من ارتهان أحكام القيمة القبلية وترده في الوقت نفسه إلى أحضان زمنه وعالمه

ولا أعني أن هذه الخطوات الضرورية لمنهج معين ، فهذه خطوات يشترك بها النقاد على اختلاف مناهجهم ، بل أعني أنها خطوات تجمع بينهم وتؤاخي بين كثرة مشاريعهم النقدية ، لذلك فهم يتفقون فيها ويختلفون في غيرها، وليس سؤال ما قبل ورائه المنهج في التطبيق ، سؤالاً طارئاً، ، بل هو سؤل تاريخي ، يواصل الخطوات التي غذت حركة النهضة العربية منذ بداية تكونها ، وكان طه حسين واحداً من روادها البارزين .
وفي هذا السؤال التاريخي ، ماذا نأخذ من الأخر ( الغربي) وماذا ندع ؟ وماذا نجي من التراث وماذا نستفيد ؟

وكان طه حسين واحداً ( بل رائداً أيضاً) من الرواد الذين عنوا بالإجابة عن هذا السؤال ، عناية شديدة ، ووقف عليها جهده الفكري والنقدي كله .
وقد اتهم طه حسين من أطراف عديدة متباينة في اتجاهاتها الفكرية بأنه استشراقي في تارة ومعترف تارة أخرى ، لأنه يني خطابة الثقافي عامة ، وخطابة النقدي على نحو خاص ، لا ارتكازاً على (( ذاتيته)) الثقافية والحضارية القومية وإنما على (( ذاتية الآخر )) التي جعل في نفسه جزءاً منها ، وعاين الثقافي العربية والشعر العربي من خلالها، فضلاً عن أن خطابه ( منهجه ) النقدي محاصر هو الآخر بهذه التصورات.

وطه حسين غير بعيد عن اتهامات باطله كهذه ، فهو يقول (( المحافظون لا يفهمونني، هذا طبيعي ، وأنا لاأعبا بهم ، ولكن المجدين يتهمونني بالانتكاس والانحراف)) (9)


ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
9-د. غازي شكري ، ماذا يبقي من طه حسين ، صــــ63ــ



ولست هنا في معرض الدفاع عن طه حسين ، وطبيعة الموضوع لا تسوغ مثل هذا الدفاع ، فضلاً عن أن طه حسين كان أقدر من غيره على الدفاع عن نفسه ، فهو يقول (( قل لهم لا تخافوا على التراث فهو لا يحتاج إلى خوفكم 000 إن تفاعلنا الحضاري مع الغرب سوف يثمر مع الانفتاح الخالي من العقد ومركبات النقص نموذجاً عربياً أصيلاً)) (10) وهو وان كان يثني على المستشرقين ، إلا انه كان يؤكد أن واجبنا المقدس يحتم علينا أن لا نترك قضايانا وتاريخنا لهم وان العلم ليس حكراً لهم ولا مقصوراً عليهم نحن أولى بتاريخنا منهم 00 أننا نشكرهم ، هذا واجب الأخلاق والعلم ولكن تراثنا والاجتماعي والأدبي والتاريخي لا يشكرنا إذا تجاهلناه )) (11) ومن الخطأ وصف المنهج النقدي عند طه حسين بأنه محاصر أو مسكون بالتصورات الغربية ، فطه حسين فكر مبدع ، وقد استطاع أن يصوغ منهجه في رؤية متكاملة لا يمكن أن تنسب إلا إليه وحده وهي رؤية عميقة ، تجمع على نحو خلاق بين الأصالة والمعاصرة ، وليس أدل على ذلك من قوله (( وأنا أعلم حق العلم أن طريقة القدماء في فهم الشعر والحكم عليه لا ترضينا ولا تقنعنا ، ولا تلاؤم ذوقنا الحديث وأطماعنا العلمية الواسعة 00 ولكنى مع ذلك أحب هولاء القدماء وأحب أراهم وأجد في قرأتها لذة وبهجة و إلى تفهما راحة واطمئنانا ، وإذا أخطأني رأيهم الدقيق في الشعر أو حكمهم الصحيح عليه ، فاني أجد نقدهم مرآة صادقة لنفس جذابة حلوة ، أحب أن أخلو إليها من حين إلى حين )) (12)

أن ناقداً يصدر عن هذه الرؤية ، لا يمكن أن يكون مغترباً أو (( استشراقياً )) أبداً.
ولكنه 00 وهذا هو الأمر الذي نريد توكيده – ناقد قلما رأيناه يؤثر منهجاً بعينه ويخلص له ، بل نراه يجمع منهجين أو أكثر في خطاب نقدي واحد ، وليس أدل على ذلك من قوله : ( وفي الحق أن الناقد لا يقنع بما كان يقتنع سانت بوف وتين أوجول لومترأو غيرهم من النقاد ، وإنما يود لو استطاع أن يوفق إلى هذا كله ( لاحظ يوفق هذه) ويستخلص منه عرضاً شاملاً يطلبه ويسمو إليه حين ينقد )) (13)



ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
10- د. غازي شكري ، نفسه ، صـ65ــ
11- د. غالي شكري ، ماذا يبقي من طه حسين ، صــ62ــ
12- طه حسين ، حديث الأربعاء ، ج 1 ، صــــ305 - 306ــــــ
13- طه حسين ، حديث الأربعاء ، الجزء الثاني ، دار المعارف بمصر ، الطبعة الثانية عشرة ، القاهرة 1976 ، صـــ53ــ وما بعدها .


و إزاء هذا التعدد ، أو الشعور بعدم الرضا ، نرى طه حسين إما أن يمعن بأتباع ألتأثري – الانطباعـــي ( وهو منهج فضفاض) أو ضيقه بالمنهج أساساً وإرساله نفسه على سجيتها على نحو تلقائي ليس فيه تحديد ولا تأمل قواعد معلومة من قبل ، وقد بدأ ذلك واضحاً في خطابه النقدي ( مع المتبني) فانه حرص في مقدمه هذا الخطاب على أن يعد بتقديم قراءة متمردة حين قال (( فلنتمرد على الجماعة ولنثر القراء، ولننبذ الاحتياط كله ، إلا هذا الذي يثير الشر أو يؤذي الأخلاق )(14)

ووصف خطابه بأنه ليس دراسة منهجية وإنما هو خواطر مرسله في غير نظام ولا مواظبة وعلى غير نسق منسجم (15) وأضاف :
(( وقل ما تشاء في هذا الكلام الذي تقرأه ، قل انه كلام يمليه رجل يفكر فيما يقول، وقل انه كلام يهذي به صاحبه هذياناً ، قل انه كلام يصدر عن رأى وأناة، وقل انه كلام يصدر عن شذوذ وجموح فأنت محق في هذا كله)) (16)
هل يعقل أن يعمد الناقد المنهجي الداعي إلى اعتماد المنهج الديكارتي إلى سوق كلام فيه هذيان وجموح؟ لم أعلن طه حسين هذا الموقف؟ الحاجة في النفس يود ألا يبوح بها، أم هي الرغبة منه في التنفيس عن الطاقة الذاتية والإبداعية لديه ، وفراراً في تحويل النقد إلى علم خالص كما تقول أستاذتي الدكتورة / بشرى موسى على النحو الذي يشير به النقد المعاصر.

قد يكون في كل ما ذكرناه قدر من الصحة ، فطه حسين في ثورة من ثورات انطباعاته ، يرفض الاحتكام إلى مبادئ عامه ، ويعلن نفوره من الدرس والبحث وانصرافه عــــن التحليل والتقليل وإيثاره تصـــوير (( ما يجد من حسٌ أو شعور )) (17)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
14- طه حسين ، المجموعة الكاملة ، المجلد السادس ، الأدب والنقد – 2- دار الكتاب اللبناني ، الطبعة الأولى ، بيروت 1973 ، صـ13ــ
15- ينظر طه حسين ، مع المتنبي ، صـ 12ـــ
16- طه حسين ، نفسه ، صــ 12 ــــ
17- طه حسين ، حديث الأربعاء ، ج 1 ، صــ 147 – 148 ــــ



وهو قد يذهب أبعد من ذلك ، فينكر حتى أكثر الأشياء التصاقاً به فهو بعد أن أملى كتابه مع المتنبي ، بدأ ينكر ما ظل يؤمن به ، ويدرس الأدب على أساسه ، وهو أن الأدب مرآة صادقة لكاتبة وبيئته وعصره وهو يتعجب كيف انه انتظر هذه السن وهذا الطور من أطوار حياته قبل أن يتفطن إلى ( إن شعر الشعراء لا يصور الشعراء تصويراً كاملاً صادقاً ، يمكننا من أن نأخذهم منه أخذاً مهما نبحث ومهما نجد في التحقيق )) (18)

وفي ضوء هذه المقدمة ، ينتهي إلى النتيجة الآتية:
(( صدقني إني أصبحت لا أطمئن إلى هذه النظرية ، وليست أشك في أن الشعر مرآة لشي ، ولكني لا أدري ، أهذا الشيء هو نفس الشاعر ، أم هو شيء آخر غيرها ، ومهما أغلُ في تصديق هذه النظرية وفي الثقة بنقد النقاد وبحث الباحثين ، فلن أتجاوز أن أقول: أن نقد الناقد أنما يصور لحظات من حياته قد شغل فيها بلحظات من حياة الشاعر أو الأديب الذي عنى بدرسه)) (19)

هل هذا تراجع عن اندفاعية مشروع طه حسين النقدي الذي كانت هذه النظرية إحدى دعائمه ؟ أم هو نقد ضمني لما كان يذهب إليه بعيداً في كتابته النقدية السابقة؟ أم أنها لحظة من لحظات التمرد ليس إلا ، أم هي لحظة من لحظات تطور الوعي عند طه حسين في الكتابة النقدية ؟ أما الأمر الأخير فهذا ما لا شك فيه.

وتراجع طه حسين ليس بدعة في بابها فــ ( تين ) هو الآخر قد تراجع عن نظريته عندما قال عن شكسبير إن (( كل شيء فيه أتي من داخله – أعنى من روحه وعبقريته - أما الظروف والعوامل الخارجية ، فلم يكن لها إلا دور ضئيل في تطوره )) (20)

ومع ذلك فان ما أفصح عنه طه حسين ، لا يجعلنا نأخذ هذا التحفظ إلا على محمل ثورة من ثوراته الانطباعية فقد الأحكام الفردية ألعامه الصائبة غير المسؤولة ، هذا يعنى تحويل النقد إلى مجرد كونه تذوقاً

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
18- طه حسين ، مع المتنبي ، صـــ 378 - 379ــ
19- طه حسين ، نفسه ، صـــ379ــ
20- جيروم ستولنيتز ، النقد الفني ، صــ 695 ــ

وانطباعات عامه لا تخدم فكراً ولا تعنى قضيته ولا تشكل إضافة ابداعية لمجمل الحركة الأدبية العربية المعاصرة ، في حين أن (( تعقيد)) الحكم الأدبي والابتعاد به عن الذاتية وتأثيراتها الذوقية المحصنة ، هو من مقومات النقد المنهجي.
فالنقد المنهجي إذن (( هو ذلك البناء الأدبي القائم والمؤسس على نظرية نقدية ، تعتمد أصولاً معينة في فهم الأدب وفي اكتشاف القيمة الجمالية والنفسية والفكرية والاجتماعية في العمل الأدبي)) (21)
وليس هناك من ناقد متسلح بالمنهج النقدي ، حمل على الموضوعية وأدانها ، مثلما أجانها طه حسين ، فهو يقول (( أن النقد الموضوعي محاولة لا تنفع ولا تفيد ، وهي إلى إفساد الأدب وحرمانه الحياة والنشاط ، أدني منهما إلى إصلاحه ومنحه ما ينبغي له من الحياة والنشاط )) (22)
أما الذاتية فأنها هي الوسيلة الحقة لتحقيق ( الحياة الأدبية ) كما أنها الوسيلة التي تسعي بها النقد إلى تحقيق ( الجودة والجمال واللذة الفنية ) (23)

وإذا كان طه حسين لا يتمسك بنظرية أدبية محددة ، وقد يعلن في ثورة في ثورات انطباعاته ، التشكيك في جدوى أية نظرية ، فانه يحلو له أحيانا أن يدعم حتى انطباعاته بمسوغات مقنعة ، بل يذهب إلى أبعد من ذلك ليصل إلى شيء أقرب إلى القص الخيالي (( وتتصاعد درجة القص الخيالي بتصاعــــد حـــــــدة (( الذاتية )) وانطلاقها فيما يشبه النجوى التي تكشف عن العام الناقد الخاص وتوتره أكثر مما تكشف عن عالم الأعمال الأدبية المتميزة )) (24)

تستخلص مما تقدم نتيجة تقول : أن الطموح النظري ومستوى الكتابة التي أراد لها طه حسين أن تركن إلى منهج نقدي ، لم ترق إلى قطع العلاقة بينه وبين اندفاعاته الذاتية وذوقه المحض ، فكان الطموح النظري أكبر بكثير مما سيفصح عنه المنهج في التطبيق .

د. سعد العتابي
شكرا لكم .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
بنية المنهج النقدي عند طه حسين بين الاتساق الداخلي و العبثية البنائية
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات متيجة :: دراسات ادبية ولغوية :: الدراسات التراثية :: النقد والبلاغة-
انتقل الى: